وطنيون من الطراز الأول
عصام حاكم
منذ تسعة سنوات والساحة العراقية يكاد لا يهدئ لها بال ألا أن تشنف أسماعنا بكل ما هو جديد ومبتكر وحسبك أن لا تستبق الأحداث ويذهب بحلمك الشيطان ما لم تتوخى الدقة في نقل المعلومة وأي الابتكارات كانت هي محل الشاهد وبيت القصيد خصوصا وان تجليات ذلك التصعيد والتنافس ذو مسحة وطنية خالصة مائه بالمائة وبمبادرة عراقية لا غبار عليه ألا في بعض الجزئيات والرتوش المكملة للتدخل الإقليمي.
وعلى هذا الأساس ربما يتبادر إلى ذهن المتلقي العراقي بأن الأرض قد خلت من الشعارات ذات النزعة الوطنية وهي تجربة فريدة قادها الساسة العراقيين بكل براعة ومهنية وكلا على طريقته الخاصة ومن منتجعه الخاص إن كان صيفيا أو في موسم الشتاء وحتى مواسم الربيع والخريف لها عناوين مخصصة ولها أجندات وان سقف المطالب السياسية العراقية باتت تحملنا مسؤولية أنصاف الحقيقة وتصنيف الحقائق وان نحكم ضمائرنا ولو لمرة واحدة على سبيل التجربة ليس إلا على أمل أن لا نعود إليها أو نكررها مرة أخرى حتى نعطي كل ذي حقا حقه وان نسمي الأشياء بمسمياتها لان الصفة بطبيعتها اللغوية والبلاغية وكما عهدناها سابقا تتبع الموصوف عاجلا أم أجلا ،ومن اجل فهم أبعاد تلك المقدمة وأسباب تموضعها في صدر هذه المقالة تأتي الإجابة بان للضرورة أحكام وهذا ما حاولنا أن نستخلصه ونحن نقلب صفحات الذائقة الوطنية العراقية التي باتت تزدحم بالكثير الكثير من التصورات والرؤى وهي قائمة على التناظر العكسي وذات مزاج متقلب ومتغير وتوصيفات أخرى لسنا بصدد عدها الآن حتى نترك للقارئ حرية اختيار المفردة المناسبة من دون أملاءات أو شروط مسبقة.
وحتى نحصل على توصيف دقيق عن حيثيات السعي الدءوب إلى إسقاط شبح الانجازات الفردية والجماعية (الطامحة والطامعة) بالمكتسبات السياسية مخافة أن تتشكل من وراء ذلك دكتاتوريات جديدة ، وهذا تبريرا ساذج ومحاولة رخيصة لإخفاء السبب الحقيقي الداعي إلى تعطيل عمل الحكومة وهي أشبه ما تكون بكلمة حق يراد بها باطل من اجل افتعال الأزمات وتصوير الديمقراطية العراقية على أنها مجرد مزحه ، أو كائن غريب ليس له طعم أو لون أو رائحة وهي خارج نطاق التغطية القانونية والدستورية ، حتى تتمكن القوى السياسية العراقية من إثبات ذاتها وتمردها على القوانين الأرضية من جهة وعدم مراعاتها للضغط السماوي من جهة أخرى مع إن تلك الخطوة لها أبعاد صحية ونفسية وهي لا تخلو من الدوار وفقدان الشهية وصعوبة التنفس ،ولكن هناك ثمة مكتسبات تستحق المخاطرة على الصعيد الدنيوي أما بخصوص الآخرة فلا يتسع المجال لذكرها الآن ،أو التعرض إليها تفصيليا ما دام الرهان قائم على تجزأت النص القائل بان الله سبحانه وتعالى غفورا رحيم من دون أن يأتوا على ذكر انه شديد العقاب وهذا قصور وتقصير متعمد ولا يدخل في خانة السهو بل هو تعتيم إعلامي وثقافي وسياسي واجتماعي وديني مقصود للعبث بمقدرات هذه الأمة واستلاب أموالها وتعطيل دورها وانتزاع مقدراتها ومقومات صمودها والى ما إلى ذلك من الاستراتيجيات المعادية لبناء الدولة العراقية الحديثة .
والمشكلة أن أبطال هذا المسلسل الدرامي هم من القوى السياسية العراقية ذات الطبيعة المركبة إسلاميا وقوميا وعربيا وان مصلحة الشعب هي في مقدمة أولوياتهم وشعارهم الدائم ما دام الليل والنهار ولولا تلك الحقيقة لما تجشموا عناء السفر إلى قبة البرلمان ليطمئنوا على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وأحفادهم إلى يوم الدين بسبب المرتبات والامتيازات والمكاسب المادية والعينية ومن اجل تدعيم مواقفهم الوطنية شدوا الرحال إلى الدول العربية والأجنبية للإقامة بها وتركوا الشعب يلاقي مصيره المحتوم حيث المفخخات والأحزمة الناسفة وصواريخ الكاتيوشة بمختلف أنواعها وصنوفها الثقيلة والمتوسطة والخفيفة ناهيك عن العبوات اللاصقة وكواتم الصوت التي أصبحت سلاح فعال بيد الساسة العراقيين ليكمموا أفواه من يعترض طريقهم المعبد بالحمايات وبالسيارات المصفحة والمدرعة والمظللة عن راية الناس ومعالجة مشاكلهم السكانية والمعيشية والخدمية ،وهذا ما لم يلتفت إليه الساسة العراقيين طوال الفترة الماضية لكثرة انشغالهم في ترتيب أوراقهم الحزبية وكيفية تعاطيهم مع المناصب الحكومية على اعتبارها الاستثمار الحقيقي لتفعيل دور الأحزاب والضمانة الأكيدة لهذا السياسي ،أو ذلك من أي ملاحقة قضائية أو قانونية .
إن هذا المسعى يشكل حالة اطمئنان للوطنية العراقية على أمل أن تتسلح بهوس التصريحات المجانية والحج المجاني والسفر المجاني ولها كامل الحرية في الحضور والتغيب والإقامة من دون حساب، أو كتاب ومن حق الوطني العراقي أن يحدد راتبه كيفما يريد مع مراعاة المنافع الاجتماعية وهي شيء مهم وضروري ولا غنى عنه في مسودة العمل السياسي العراقي كي يكون في القمة وبمعزل عن الاستماع لصوت الفقراء والمساكين خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالمطالبة بالعدل والأنصاف والمساواة في الرواتب والسكن والاستحقاقات التقاعدية وتوفير سبل العيش الكريم .
قارئي العزيز لا تندهش أبدا فهي مجرد نبذة موجزة ومقتضبة عن الوطنية العراقية المعاصرة وهي حقا وطنية مميزه ولكن من الطراز الأول بامتياز .



التعليقات
 
 
Designed by NOURAS
Managed by Wesima