الشباب وصناعة المستقبل
د. منصور القطري
صناعة المستقبل للإنسان العربي تنقسم في تقديري إلى جانبين : الأول : يتعلق بمسؤوليات الدولة العربية والثاني : يتعلق بالناس أي المجتمع وتحديدا الأسرة باعتبارها نواة صناعة الشباب.

فيما يتعلق بالجانب الأول لا تزال البلدان العربية مشغولة عن الاهتمام بالمستقبل حتى أن الناس لا يعلمون إلى أين المسير !! وهذا المشهد يذكرنا بالعالم الشهير ألبرت اينشتاين عندما سئل ذات مرة لماذا تبدي اهتماماً بالمستقبل ؟ فرد قائلاً : ببساطة : لأننا ذاهبون إلى هناك .

التخطيط للمستقبل مطلب وطني ملح لكن المهم في تقديري ليس التخطيط بل وجود (الرؤية vision) لماذا ؟ لان التخطيط لا يستطيع أن يصنع الرؤية بل يستطيع التخطيط إن يبرمج الرؤية -أن وجدت- كما فعل مهاتير محمد في ماليزيا . اغلب الدول تعتمد ( طريقة السيناريوهات ) كأسلوب لاستشراف المستقبل فقد استخدم الخبراء الأمريكان هذا الأسلوب لتصور خريطة العالم في سنة 2020. على سبيل المثال عرض التقرير الذي أعده المجلس الوطني للمخابرات الأمريكية معتمداً على عشرات من الخبراء والمختصين في العلاقات الدولية والدراسات المستقبلية أربعة سيناريوهات محتملة :

1- السيناريو الاقتصادي : يفترض مشروع تنمية اقتصادية قوية خلال السنوات القادمة وتحديد كيفية إعادة صياغة مسار العولمة.

2- سيناريو النظرة الأحادية : يتفحص طرق التمكن الأمريكي لمواجهة التحولات الفجائية للسياسة العالمية .

3- سيناريو قيام خلافة إسلامية: ويتوقع هذا السيناريو ظهور حركة عالمية إسلامية وإمكانية إشغالها بالطائفية.

4- سيناريو حلقة الخوف : يركز على حالة الخوف الناتجة عن انتشار الأسلحة النووية وما هي مستلزمات اتخاذ إجراءات أمنية ناجحة.

الهدف من استعراض المثال السابق هو شحذ الهمم واستدعاء قدراتنا للإجابة على تساؤلات المستقبل المتعلقة بالإنسان العربي وما يتصل به من قضايا هامة ..( الفقر، الأمية والتعليم ، البطالة ، المستوى الصحي والبيئي والمعيشي .. الخ ) هذه الدراسات الافتراضية القائمة على البيانات والتي ينبغي أن يتولاها متخصصون ليست نوعا من الترف الفكري . لكن السؤال هو : ماذا عن هذا التوجه على مستوى الحكومات في الوطن العربي؟ هل هو مقتصر على الجانب الأمني فقط ؟ قال (ديغول ) يوما لأحد (وزرائه) : خالفني مرة واحدة لأشعر اننا اثنان !!.

نعم الدولة العربية تتحمل المسئولية الكبيرة لكننا هنا بهدف خلق وتنمية اتجاهات ايجابية في الأسرة العربية نحو تدريب الأبناء على مهارة التخطيط للمستقبل وفي هذا المجال فقد أصدرت روبين ميريديث Robyn Meredithالمتخصصة في الشأن الهندي والصيني كتابا بعنوان (الفيل والتنين- صعود الهند والصين) تحدثت فيه عن الدور الخطير للطبقة الوسطى في تحقيق التنمية والتمرد على الدكتاتورية وذلك إثناء المجاعة الكبرى التي واجهت الصين وأوردت قصة اجتماع بعض الريفيين سنة 1978 للخروج عن نسق شيوعية ماو والمتمثلة في المزارع الجماعية حيث أعادوا تقسيم الأراضي الزراعية بطريقة تفعل (دورالأسرة) مما زاد الإنتاج إلى أربعة إضعاف وكيف هيأت تلك الإصلاحات الزراعية لشرارة التغييرات الكبرى في الصين .

الأسرة العربية تستطيع المشاركة في صناعة وتقدم ألامه والشواهد على ذلك كثيرة : الأردن تمثل أعلى نسبة تعليم في العالم العربي 90 % تليها البحرين ثم قطر والكويت ولبنان ثم السعودية 78% . السؤال لماذا تتفوق الأردن ؟ علماً بأن الأردن ليست دولة نفطية ؟ الجواب ذكره وزير التعليم في الأردن عندما سئل عن السبب قال : لان التعليم في الأردن أصبح قيمة اجتماعية .

من الذي جعل العلم قيمة نشطة في الحياة ؟ إنها (الأسرة) فهي الصهريج العظيم لضخ القيم في المجتمع فعندما تحرم الأسرة نفسها الكثير من الأشياء لصالح التعليم يصبح الإنفاق على التعليم ثقافة واتجاها شائعا لدى الناس. وبشيء من الرصد للمشهد الاجتماعي نلاحظ وللأسف اهتماما غير مسبوق لدى المواطن العربي بكتب السحر والشعوذة وكتب الأبراج مدعوما بفضائيات تعيق تنمية العقول عبر سلطة المرئي . هناك شاهد آخر للتدليل على دور الأسرة في تعزيز (ثقة الشباب بأنفسهم) فمن المعروف أن جامعة هارفارد من أهم الجامعات في أمريكا ولها عادة سنوية في منح الدول مجموعة من المقاعد الدراسية وقد خصصت للسعودية خمسة مقاعد إما إسرائيل الابنة المدللة فقد خصص لها 21 مقعدا دراسيا . لكن الملفت للنظر أن السعوديين لم يملئوا هذه المقاعد وقد علق الملحق لسعودي بأن الطلاب السعوديين يتهيبون من الدخول في هذه الجامعة لان الجامعة لها سمعة شديدة ولها توقع عال من الانجاز والتحدي .

هنا نرغب التأكيد على أهمية دور الأسرة في تنشئة الشباب المعتمد على نفسه الواثق بها باعتبارها ذات مرتبطة بخالقها أولا و باعتبارها ذات قوية قادرة على الفعل ثانيا كما أن كلا منا له دور هام في الحياة فإذا كنت ولي أمر، أو مدرساً، أو أخصائياً اجتماعياً انشر الوعي بمبادئ اتفاقية حقوق الإنسان وان كنت ثرياً تبرع بجزء من ثروتك لتأسيس مركز للأبحاث العلمية وان كنت زوجاً صالحاً شجع زوجتك لإكمال تعليمها وان كنت أباً فاشتر كتاباً لطفلك عوضاً عن وجبة من مطاعم الوجبات السريعة وان كنت إعلاميا ساهم بنشر الكلمة الحرة للتخفيف من سطوة الإعلام الموجه وان كنت برلمانيا شجع حكومتك لتحسين مستوى معيشة المواطنين وعلينا جميعا تذكر الحكمة العالمية (إذا أردت أن تصل إلى المستقبل عليك أن تمزج الحلم بالعمل ) .


كاتب ومدرب سعودي
التعليقات
 
 
Designed by NOURAS
Managed by Wesima