| |
|
عن مثقفي المحافظات
دردشة / يوسف أبو الفوز
دردشة يوسف أبو الفوز haddad.yousif@yahoo.com
الأسبوع الأخير، كنت في السماوة الحبيبة ، نعم ـ عزيزي القارئ ـ السماوة ذاتها التي تغنى الشعراء والمطربون بفراتها ونخيلها وجمال صباياها وبسالة ثوارها وتضحيات مناضليها، ووجدت أن أحوالها تصح ـ تماما ! ـ على ما نسميه دائما في أحاديثنا وكتاباتنا بـ " تركة النظام المقبور"، فهذه المدينة الباسلة، التي تنفس أبناؤها تأريخها الثر من أيام اوروك وجلجاميش وشعلان أبو الجون ومحمد الخضري والشيخ مهدي السماوي وصعودا لما جاء بعدها ،هذه المدينة التي شهدت سنوات طفولتي وصباي، لم تعد تلك السماوة التي تريد صديقة الملاية الطيران أليها والعيش فيها "خذني وطير بيه للسماوه ..." ، ولا التي تلوع فيها قلب حضيري أبو عزيز فراح يدعّي عليها " ريت السماوة بنار وتظل خرايب ... طبيت لها شاب وطلعت شايب " ، ولا التي تغنى حسين نعمة بنخيلها " نخل السماوة يقول طرتني سمره ... " ، صارت السماوة الآن ـ قياسا بما كانت عليه قبل تسلط المجرم المقبور صدام حسين ـ تبدو للناظر وكأنها مدينة في فلم مستقبلي يتحدث عن فترة ما بعد حروب كونية ما ، وكأنها ... ، ... لنكتفي بهذا ـ عزيزي القارئ ـ حتى لا يشت بنا الحديث بعيدا ، ولنسأل ونأمل : هل سينهض العراق كوطن وتنهض السماوة كمدينة ؟! هذا سؤال نتوقف عنده ونعود إلى غرضنا الأساس لهذا الأسبوع ، ففي خلال وجودي في السماوة، زرت الصديق المخرج السينمائي المبدع هادي ماهود إلى بيته ، المخرج الذي تخلى عن الحياة في استراليا ــ أو كما يقول البعض : ترف الخارج ! ــ وعاد ليستقر في مدينته ، ليحاول من هناك المساهمة في صناعة سينما عراقية جادة ، وزيارتي كانت ليس لمعرفة أخر نشاطاته ومشاريعه الفنية ، بل للاطمئنان إليه وأحواله الصحية، اثر الحادث المروري المريع، الذي تعرض له وأخوه ، الذي كان يقود السيارة ، على طريق تل اللحم على مشارف مدينة الناصرية ، وذلك خلال عودة هادي ماهود من المشاركة في مهرجان دبي السينمائي والذي مثل فيها بلده العراق خير تمثيل، هذا الحادث الذي أدى إلى إصابات في ركاب السيارة ، ومنها تهشيم وجه صديقنا المخرج هادي ماهود ، وقد نقلت الفضائيات والصحف أخبار الحادث ، فعلم به كل متابع ، لكن صديقنا المخرج من بعد الحادث عانى الامرين حتى تم نقله إلى الكويت للعلاج المناسب، بمبادرة مشكورة من الملحق الثقافي الكويتي في لندن !! ، الذي اتصل به أصدقاء أوفياء لمخرجنا السماوي ، ولولا هذه المبادرات الكريمة ـ عزيزي القارئ ـ لكان حال الصديق هادي ماهود يصلح مادة لعنوان فلم سينمائي اسمه "الإهمال والتهميش للمثقفين في العراق الديمقراطي" . ان الجلوس إلى هذا المبدع والاستماع إلى شكواه لما يعانيه ، تطرح في البال حالا قضية، علاقة مؤسسات الدولة بمثقفيها والمسؤولية عن حالهم الصحي والمعيشي قبل الحديث عن إبداعهم وإنتاجهم وكيفية دعمه ، فهم بشر شأن غيرهم، يمرضون ويتعرضون إلى حوادث وينتكسون نفسيا ، والمطلوب ان توجد أنظمة وقوانين عادلة تضمن هذه الرعاية ، لا ان يكونوا خاضعين لمكرمات هذا المسئول أو ذاك على طريقة الديكتاتور المقبور ومكرماته التي أذلت الناس والمثقفين لا نفعتهم ، وما تعرض له الفنان هادي ماهود يطرح في البال حال مثقفي المحافظات وشكواهم المستمرة من الإهمال والتهميش على مختلف الصعد ، والتي لا تطلق هنا جزافا ، ومن باب البطر ، بل تأتي من وقائع ملموسة ومتتالية تكاد تكون مسلسل يفوق المسلسلات التركية في عدد حلقاتها وأجزائها . في أيام سلطة العفالقة المقبورة ، كان البعض من مثقفي المحافظات يرضى بأن يكون بعيدا عن الأضواء ـ مهمشا ! ـ ، حتى لا يجبر على القيام بما يتعارض مع أفكاره وميوله الإبداعية ، الآن ونحن نعيش مرحلة جديدة نؤسس فيها لعراق جديد ، نريده عراقا للجميع ،عابراً للطوائف والقوميات والعشائرية والمناطقية ، ما الذي يمنع من الآخذ بيد مثقفي المحافظات لينالوا حقوقهم ويحصلوا على فرصتهم المناسبة ، في الرعاية والعمل والنشاط وتقديم إبداعهم ليمكنهم المساهمة بشكل جاد في بناء هذا الوطن ؟ . على طول تأريخ المسيرة الثقافية للعراق قدمت المحافظات أسماء لامعة من المبدعين ، شعراء وفنانين وكتاب قصة ـ وأيضا سياسيين ! ـ ، ولا نريد هنا ان نذكر اسما فننسى واحدا منهم ، حتى لا نتهم بالمناطقية أو التعصب لمحافظة ما ، فأترك الأمر لذاكرتك ـ عزيزي القارئ ـ وأنا أثق بك ما دمت تمنحنا بعض وقتك وتقرأ هذا العمود . ولنتساءل معا وبصوت عال : أيمكن ان نبني عراقا جديدا ـ تكون فيه الثقافة للجميع ـ وتبقى العاصمة فقط هي محل اهتمام الحكومة والمسئولين ، ويبقى حال المحافظات ومثقفيها هو الإهمال والتهميش ؟ ان مسؤوليات كبيرة في هذا المجال ملقاة على عاتق نوابنا البرلمانيين الجدد والحكومة الجديدة ، ونتمنى ان يلتفتوا قليلا إلى مثقفي المحافظات ، وان تكون هناك قوانين شاملة ، وخططا ثقافية وبرامج عادلة لا مجال فيها للإقصاء والتهميش ، وتضمن حقوق الجميع في العاصمة والمحافظات . وسنلتقي !
* عن الملحق الثقافي الأسبوعي لصحيفة المدى البغدادية / العدد 1735 - الأحد 28 شباط 2010
|
|
|
|
|
|