| |
|
أكفر بالطاغوت ولو بالقلب
منتظر الشيخ أحمد
صوتنا النائم في الحي اليقظان يروي الشريف الرضي(رحمه الله) في نهج البلاغة: عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) أنه قال في صفين: (من رأى عدواناً يعمل به، ومنكراً يدعى إليه، فأنكره بقلبه سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أُجر، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الظالمين هي السفلى، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وقام على الطريق، ونوّر قلبه اليقين)[1].
و عند أهل الخلاف: روى الترمذي عن طارق بن شهاب قال :( أول من قدم الخطبة قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل فقال : يا مروان خالفت السنة .فقال مروان : يا فلان ترك ما هنالك . فقال أبو سعيد : أما هذا فقد قضى ما عليه ، سمعت رسول الله صلى الله عليه (وآله) وسلم يقول :من رأى منكم منكرا واستطاع أن يغيره بيده فليفعل، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان([2]
كان منهج الأنبياء و الرسل هو رفض تأله الإنسان، و دفع- كل الإنسان- إلى الخضوع لله خالق الكون و الإنسان، وبالنتيجة تحرر الإنسان من سلطة الإنسان. وبعبارة أخرى كان التوحيد دوماً راية يجمع الأنبياء تحتها المعذبين و المظلومين من بني الإنسان ليواجهوا المستكبرين و المتألهين.[3]
و أكد القرآن الكريم في أكثر من موضع على وجوب الكفر بالطاغوت، قال تعالى﴿ لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾[4]
و قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
و أتفق أتباع أهل البيت(عليهم السلام) و مخالفيهم بطريقة أو أخرى بوجوب الكفر بالطاغوت و اجتنابه، كما اتفقا كثيرا في معنى (الطاغوت) كمصطلح.
يقول البروسوي في تفسير آية ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾[5] "(الطاغوت) كعب بن الأشرف، سمي به لإفراطه في الطغيان و عداوة الرسول، و في معناه: و من يحكم بالباطل، ويؤثر لأجله"[6].
يقول سيد قطب: إن الطاغوت هو كل سلطان لا يستمد من سلطان الله، وكل حكم لا يقوم على شريعة الله، وكل عدوان يتجاوز الحق، والعدوان على سلطان الله وألوهيته، وحاكميته هو أشنع العدوان، وأشده طغيانا، وأدخله في معنى الطاغوت لفظا ومعنى.. وأهل الكتاب لم يعبدوا الأحبار والرهبان ، ولكن اتبعوا شرعهم فسماهم الله عبادا لهم، وسماهم مشركين ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله﴾، فهم عبدوا الطاغوت أي السلطات الطاغية المتجاوزة لحقها، وهم لم يعبدوها بمعنى السجود والركوع، ولكنهم عبدوها بمعنى الاتباع والطاعة، وهي عبادة تخرج صاحبها من عبادة الله ومن دين الله[7] .
فالحاكم بغير ما أنزل الله يجب عدم مجاملته و تأييده و الدعاء له بالنصرة و الغلبة، لأنه طاغوت يجب الكفر به و اجتنابه حتى لو كان الكفر بالقلب.
يقول الإمام الشيرازي(قدس سره): عن النبي (صلى الله عليه وآله) فيما رواه الصدوق: من عظم صاحب الدنيا وأحبه طمعاً في دنياه سخط الله عليه، وكان في درجته مع قارون، في التابوت الأسفل من النار. أقول (و الكلام للإمام الشيرازي): المراد أنّه مثله في أصل الظلم، لا أن له نفس الدرجة[8].
وفي حديث آخر، عنه (صلى الله عليه وآله): من مدح سلطاناً جائراً أو تخفف أو تضعضع له طمعاً فيه، كان قرينه في النار. نعم، إذا مدح اضطراراً لم يضرّ[9].
فيتفق المسلمون (بمختلف طوائفهم) بوجوب الكفر بالطاغوت و اجتنابه، و هذا هو صريح القرآن في ذلك.
و يتفق أتباع أهل البيت(عليهم السلام) بأن الأئمة المعصومين عليهم السلام هم القادة الرساليين للأمة سواء حكموا البلاد سياسيا أم لا .. وسواء قاموا بمصالح الأمة العليا أم لم يقوموا، و أن الفقهاء هم الامتداد الطبيعي لرسالات السماء.
بيد أن القيادة لا تعني شيئا في منطق الإسلام لو لم تنفصل عن رواسب الجاهلية، بل لو لم تتحد الجاهلية بشجاعة ومن دون خشية، وتطبق تعاليم الإسلام . لذلك جاءت الإشارة إلى القيادة ضمن الحديث عن طائفة من عادات الجاهلية التي نسفها الإسلام ليعطي للقيادة بعدها الرسالة بحيث يجعلها لا تنفصل عن مناهج الدين، فلا يعترف الإسلام بقيادة لا تطبق هذه المناهج وان اختفت تحت غطاء كثيف من الكلمات الدينية و الشعارات الرسالية[10] .
قال تعالى: ((وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرَى(( قال أبو عبد الله (عليه السلام) مخاطباً لأبي بصير: "أنتم الذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها، ومن أطاع جباراً فقد عبده[11]".
[1] ولاية الأمر، دراسة فقهية مقارنة ص 246.
[2] جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم، الحديث الرابع والثلاثون.
[3] مبادئ الإسلام، س صادق الموسوي، ص 75.
[4] سورة البقرة: 256
[5] سورة النساء: 60
[6] ولاية الأمر، دراسة فقهية مقارنة ص 241.
[7] طريق الدعوة في ظلال القرآن : 1/30.
[8] الموسوعة الفقهية، فقه الحكم في الإسلام، مسألة 25.
[9] نفس المصدر السابق
[10] من هدي القرآن، تفسير آية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ سورة المائدة، المرجع الديني محمد تقي المدرسي(دام ظله)
[11] تأويل الآيات: ص502 سورة الزمر وما فيها من الآيات في الأئمة الهد
- 14 / 12 / 2009م - 7:04 م
|
|
|
|
|
|