| |
|
اخلعيه وارتدي العفة
alamiaa@yahoo.com
عبدالله العلمي /كاتب سعودي
وصف الشيخ الفاضل الدكتور سعود الفنيسان عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود هجر الزوج لزوجته بأنه نوع من العقاب وأن على الزوجة التي هجرها زوجها أن تأتي للقاضي وتثبت أنها معلقة ثم تُعطى من الضمان وصدقات المحسنين. ومع احترامي لرأي فضيلة الشيخ، إلا أنني لا أعتقد أن ذلك أفضل أسلوب للتعامل مع المرأة المهجورة والمعاقبة بتعليقها، ثم يُطلب منها إثبات كل ذلك في دهاليز المحاكم كشرط مسبق كي تتسول من صدقات المحسنين. طبعاً المؤسسات المعنية بقضايا الطلاق غير مهيأة أصلاً للتعامل الفعال مع هذه القضايا وغالباً ما تكون الإجراءات المتبعة معقّدة وبطيئة جداً. من هنا جاء قانون الخلع ليصحح أوضاع المرأة المظلومة ويصون عفتها ويسهل إجراءات التقاضي في قضايا الطلاق. تشهد أروقة المحاكم اليوم قضايا بما يعادل ثلاث حالات يومياً تمتد لعدة سنوات تطالب فيها النساء بخلع أزواجهن. ماذا تفعل الزوجة مثلاً عندما تكتشف أن زوجها ليس برجل؟ أليست عفة الجوارح أفضل لها؟ ماذا تفعل الزوجة إذا كان هناك تباعد في العقلية وتباين في الطباع بينها وبين زوجها؟ أليست عفة الخُلق أفضل لها؟ ماذا تفعل الزوجة عندما لا ينفق زوجها عليها وعلى أطفالها لبخله أو أنه يصرف أمواله في أمور أخرى ثم يكشر عن أنيابه ويظهر قلة وفائه بحقها؟ أليس التعفف عن سؤال الناس أفضل لها؟ الأسباب الأخرى لطلب الخلع قد تكون فارق العمر بين الزوجين، فلا تستطيع المرأة التمتع بالسفر واللهو البريء والترفيه أو أن يكون الرجل غير قادرٍ صحياً على الأقل لمزاولة هذه الأنشطة. قد تكون الزوجة ضحية لزوج قاسي الطباع، سيء الخلق أو أن يتفنن بإلحاق الضرر بها فيضعها تحت الإقامة الجبرية "عقاباً" لها. هي لا تستطيع الدراسة إلا بإذنه، ولا العمل إلا بتصريـح خطـي من سعادته، ولا تلقى علاج طبيـاً إلا بمعيته، ولا سفر إلا بموافقـته ولا حتى زيارة أهلـها إلا برضـاه، فيدخلها عنوة في نفق المعلقات. أليست عفة الستر أفضل لها؟ لا أعلم لماذا يشترط بعض القضاة رضا الزوج للبت في الخلع. ألم يصدر مجلس هيئة كبار العلماء قراراً عام 1394هـ يتيح للقاضي أن ينصح الزوجة ويحاول الصلح بين الزوجين ثم ينصح الزوج بمفارقتها ثم يبعث حكمين لينظرا في الأمر بهذا الترتيب؟ حسب تفسيري للقرار، إذا لم تنجح هذه الخطوات، يفهم القاضي الزوج أنه يجب عليه مخالعة زوجته.... على أن تسلمه الزوجة ما أصدقها. ماذا لو أن العشرة بالمعروف تعثرت بين الزوجين؟ حسب علمي يفسخ القاضي النكاح بما يراه شرعاً. أليس هذا هو الأسلوب المتبع في تطبيق القرار حفاظاً على كرامة المرأة وعفتها؟ ولكن للأسف الواقع يخالف التنظير. أولاً لعدم وجود نصوص تشريعية تضمن حقوق الزوجة وكأن الشريعة الإسلامية السمحة تفتقر للتوجيهات لحفظ كرامة المرأة وعفتها. ثانياً بعض "الرجال" يتركون زوجاتهم معلّقات لإرضاء غرورهم و"رجولتهم". ثالثاً إدارات الحماية الاجتماعية تسعى ولكنها بكل أمانة غير قادرة على التعامل مع حالات إصلاح البين بسبب افتقادها للإمكانات البشرية المتخصصة. بالمناسبة، هناك بعض "الرجال" الأشاوس تخصص "قضايا العوض"، بمعنى أنهم قد مارسوا هواية جمع الزوجات وجرجرة بنات الناس للمحاكم مما يجبر الزوجة الجديدة لدفع أضعاف مهرها للتخلص من زوجها والحصول على "صك الخلع" للمحافظة على عفتها. المؤسف أن حالات الخلع – التي تخلف وراءها العديد من المآسي – تمثل أكثر من 20 في المائة من مجمل حالات الطلاق. ولكن ماذا لو لم يكن بإمكان الزوجة المعلقة تحقيق رغبة زوجها كامل الأوصاف المراد خلعه بالتعويضات المالية؟ قد تفوق رغبة الزوج الجشعة قدرة الزوجة المرغمة على الخلع، فتقع فريسة سهلة معلقة مبتورة عاجزة عن توفير ثمن حريتها. بطبيعة الحال قد يزداد البعل الفحل تعنتًا وعنجهية فيتزوج من ثانية وثالثة....وهنا يبدأ "شغل الحريم" كما اصطلح على تسميته مما يعقد الأمور أكثر فأكثر. قد تضطر الزوجة المعلقة للاقتراض من البنوك أو الأقارب، ولدي معلومات من المديرية العامة للسجون أن هناك نساء مسجونات بسبب عدم التزامهن بدفع عوض الخلع للزوج. طبعاً ينتج عن هذا الوضع أن المرأة تعيش ضائقة مالية ومشاكل قانونية ومأساة اجتماعية مستديمة تمثل تهديدا اجتماعيا كبيرا ينتج عنه المعاناة النفسية والاقتصادية التي تلحق بالزوجة وأطفالها وذويها ومن حولهم. أعود لما تفضل به فضيلة الشيخ سعود الفنيسان فأقول: عندما تتقدم الزوجة المعلقة للضمان الاجتماعي للحصول على حقها من النفقة باعتبارها بلا عائل وفي حكم المطلقة يُرفض طلبها بدعوى ضرورة إحضار صك من المحكمة بأنها معلقة. طبعاً المحكمة ترفض إصدار هذا الصك إلا بإحضار وموافقة "أبو عيون جريئة سعادة سي السيد". الإسلام كفل كرامة المرأة وأمر بصيانة حقوقها وعفتها حتى لا تقع تحت طائلة الظلم والقسوة والمهانة. فهل من العفة أن تتوسل المرأة التي هجرها زوجها القادر وأن تتسول من صدقات المحسنين، أم أن العفة أن يؤمر زوجها بالنفقة عليها؟
http://alwatan.com.sa/news/writerdetail.asp?issueno=3319&id=15487&Rname=205
صحيفة الوطن - السبت 31 أكتوبر 2009م
|
|
|
|
|
|