خطر التشيع و التحدي الاستراتيجي الإيراني
ادريس الجندري

يكثر الحديث على الساحة السياسية و الإعلامية العربية حول خطر التشيع؛ و ما يشكله المذهب الشيعي من تحدي للسياسة الدينية العربية؛ التي وجدت نفسها في مواجهة تحدي مذهبي؛ يشكل تهديدا مباشرا لمقوماتها الحضارية .

لكن هل الأمر حقيقة يرتبط بخطر يشكله المذهب الشيعي ؟

ألم يتعايش المذهبان معا بسلام طوال قرون في العراق و البحرين و سوريا و لبنان؛ من دون أن يكون هناك أي خطر يذكر ؟

إن المتابع لما يجري من أحداث في منطقة الشرق الأوسط ؛ يدرك للوهلة الأولى أن الخطر المذهبي ؛ الذي يجري الحديث حوله هو في الحقيقة خطر استراتيجي ؛ يشكله الكيان الشيعي الذي تقوده إيران ؛ ضد الوجود العربي سياسيا و اجتماعيا ؛ أكثر مما يشكل تهديدا مذهبيا .

فمن المعروف أن منطقة الشرق الأوسط ؛ خلال هذه المرحلة ؛ تعرف تحولات غير مسبوقة على جميع المستويات ؛ خصوصا بعد حرب الخليج الأولى و الثانية ؛ و تغيير النظام السياسي في العراق ؛ و المواجهات القائمة بين حزب الله و إسرائيل ؛ و كذلك ما يرتبط بالملف النووي الإيراني ...

و كلها أحداث متتالية حركت المياه الراكدة في المنطقة على جميع المستويات؛ و بدأت تطرح أسئلة جديدة؛ سياسيا و ثقافيا و دينيا... و جميع هذه الأسئلة تصب في مجرى واحد ؛ هو محاولة كل طرف استغلال كل الأسلحة المتوفرة لديه – و منها سلاح الدين – في مواجهة الطرف الآخر .

و حينما نتحدث عن طرفين ؛ فإننا نقصد أولا الطرف الشيعي ؛ الذي تجاوز حضوره مستوى المذهب الديني ؛ ليتحول إلى إيديولوجيا للجذب ؛ تتبنى رؤية استراتيجية خاصة لمستقبل منطقة الشرق الأوسط .

و تحضر إيران في مركز هذا الجذب الإيديولوجي ؛ فهي تجني الثمار التي أينعتها السياسات الأمريكية الخاطئة في العراق و أفغانستان ؛ و لذلك فهي تستغل المذهب الشيعي في مد سيطرتها الأستراتيجية على منطقة الشرق الأوسط بكاملها ؛ لتحملها كرهينة تقايض بها المجتمع الدولي ؛ لتحقيق حلمها في امتلاك سلاح نووي ردعي ؛ يتوجها في الأخير سيدة الموقف في منطقة غنية بثرواتها الطبيعية .
أما الطرف الثاني ؛ الذي تتزعمه السعودية بمذهبها الوهابي ؛ و مصر عبر علماء الأزهر ؛ فهو لم يقف مكتوف الأيدي ؛ بل إنه يمتلك أوراق رابحة في المعركة الدائرة ؛ خصوصا و أن المملكة البترولية تمتلك فائضا نقديا كبيرا ؛ يمكنها من مواصلة المعركة ؛ كما أن راعية جامعة الأزهر تمتلك رصيدا رمزيا لا يقل أهمية عن رصيد إيران الشيعية .

و لذلك فإن هذا الطرف يقود حربا باردة شرسة ضد المعسكر الشيعي ؛ و لعل الأوراق الرابحة التي يمتلكها هذا الطرف ؛ هي تلك المرتبطة بانضوائه تحت لواء المجتمع الدولي ؛ لذلك فإن هامش المناورة لديه يتسع كل يوم أكثر ؛ بينما يضيق في المقابل على الطرف الآخر ؛ الذي يقدم نفسه ممثلا لمحور الممانعة في المنطقة .

إن الحديث إذن عن الخطر الشيعي هو في الحقيقة حديث عن الخطر الاستراتيجي الذي تشكله إيران على منطقة الشرق الأوسط ؛ و لذلك فإن التعامل الحقيقي مع خطر التشيع ؛ يجب أن يكون من هذه الزاوية السياسية ؛ حيث يجد الطرف العربي نفسه على أعتاب إمبراطورية فارسية جديدة تسعى إلى استعادة أمجادها ؛ مستغلة في ذلك رأسمالا رمزيا ؛ يرتبط جوهريا بالتاريخ العربي ؛ الذي أصبح يبيض لها ذهبا .

و لعل التحدي الذي تفرضه هذه الوضعية السياسية / الثقافية الجديدة ؛ هو ما يفرض على النخبة المثقفة في العالم العربي ؛ التجند لفضح إيديولوجية التشيع ؛ عبر الكشف عن قناعها الديني ؛ الذي يخفي في العمق رغبة فارسية في السيطرة على المنطقة ؛ عبر استغلال جميع الرموز الدينية ؛ التي هي ملك مشترك لجميع المسلمين ؛ فجميعنا يقدر علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ؛ و كلنا يتعاطف مع الحسين في محنته ؛ و كلنا يتذكر أحداث كربلاء بحزن كبير ؛ لكن من دون أن نتشبع أو نكون خداما إيديولوجيين للكيان الفارسي ؛ الذي نحتم خصوصياته الثقافية و السياسية ؛ و يجب عليه كذلك أن يحترم خصوصياتنا .




التعليقات
 
 
Designed by NOURAS
Managed by Wesima