الكتاب العربي بين الحظر ومحاكم التفتيش ..!!
القاهرة- صلاح الصيفي

تحت ذرائع أخلاقية ودينية وأمنية وسياسية مضحكة تقوم السلطات الأمنية والمؤسسات الدينية في الوطن العربي بمنع وحظر آلاف الكتب عن المواطن العربي، في حين أن دساتير هذه الدول تكفل حرية الفكر والتعبير عن الرأي وتداول مصادر المعرفة!

إن من يبحث اليوم في أي شبكة للبحث في الانترنيت عن عبارة (منع الكتب) أو (الرقابة علي الكتب) سيعثر علي أخبار ومقالات وحوارات حول هذا الموضوع لا حصر لها، وتثير الشفقة علي هذه الأمة المنكوبة التي تزيد فيها الممنوعات والمحرمات علي عدد نفوس أبنائها، وسيكون بإمكان هذا الباحث أن يؤلف، بمنتهي السهولة، كتاباً عن منع الكتب في العالم العربي مكون من مئات الصفحات بأيام معدودة إذا ما أراد أن يضمنه تلك الأخبار والمقالات والحوارات كشواهد علي هذه الحال المزرية.

وإذا تفحصنا أهم عناوين الكتب التي صودرت، أو منعت أو أحرقت في الوطن العربي، نجد أن خمسة وسبعين بالمائة من الكتب المصادرة فلسفية ودينية وجنسية، وعشرة بالمائة أدبية والبقية كتب سياسية، وغالبا ما يتركز \"المنع\" على الكتب التي تتضمن أبجديات العلاقة بين الجنس والسلطة والدين.


لذلك ليس من الغريب أن تجد معرضاً من معارض الكتب في الدول العربية ينتهي من دون أن يعلن هذا الناشر أو ذاك عن مصادرة بعض منشوراته وهي في المطار وكأنها قنابل تستخدم للعمليات الإرهابية، متناسين أن كلّ كتاب يُـحرق يشعل ضوءاً في مكان ما من هذا العالم، كما يقول فولتير، وأن كل كتاب يمنع يحقق شهرة لمؤلفه، ويصبح مطلوباً جماهيرياً، فيغتني من ورائه المشتغلون في مهنة الاستنساخ.





الكاتب الصحفي أحمد الربعي وصف معارض الكتاب في الدول العربية بأنها أصبحت موقعا للتخلف بدلا من أن تكون منارة للتقدم والوعي، وأصبح السوق مفتوحا للكتب الدينية المتطرفة، ونشر الشعوذة والسحر وقراءة الكف والفنجان في ظل استسلام للحكومات أمام تطرف المتطرفين وزعيق الزاعقين





وأضاف الربعي أن التخريب وصل إلى كتب الأطفال، حيث يتم نشر الشعوذة والخرافة، ومحاربة الفكر الوسطي والمنفتح والعلمي بين صفوف الأطفال والناشئة، ومحاولة ابعادهم عن تطورات العلم الحديث وثورة المعلومات وتلقينهم رؤية حزبية خاصة بالمتزمتين، وقراءة مزيفة للتاريخ، وجعلهم ضحية للصدفة والحظ في ظل غياب الفكر العقلي والعلمي والمنطقي.





وكما هو معلومٌ فإن منع الكتاب مِن دخول معارض الكتب يمنحه رواجا، ويعطيه أهمية قد لا يَستحقها، ويرفع الكاتب إلى مكان لا يحلمُ به، فحتما ستنفتح له أبواب الشهرة على مصراعيها، وحتما سيبحث القارئ عن كل كتبه.





وكثيرا ما خدمت قرارات المنع تلك الكتب، فأصبح القراء يتهافتون عليها، ويراسلون دور النشر التي طبَعت الكتاب المحظور، فترسلها إليهم بواسطة البريد، أو يبحثون عنها من معارض الكتب في الدول القريبة المُجاورة، كل ذلك بسبب قرار الحظْر الذي لم يمنع الكتاب في الحقيقة، بل روج له من حيث لا تدري اللجنة ولا تحتسب.





وقرار المنع هذا خدم كتب المُفكر المصري الراحل خليل عبد الكريم، فكتابُه (شدو الربابة في حياة الصحابة) يلاقي إقبالا من القراء العرب في كل معارض الكتب، بعد صُدور توصية من الأزهر الشريف بحظر بيع الكتاب، وسحبه من الأسواق!





وقرار المنع هذا خدم أيضا مؤلفات المفكر المصري د. نصر حامد أبو زيد، بعد أن أصدر كتابه عن الإمام الشافعي، وبسبب هذا الكتاب ومؤلفات أخرى تم تكفير الكاتِب، وطالب البعض بتطليقه من زوجته!، واليوم تتموضع كتب الدكتور نصر حامد في صدارة قائمة المبيعات.





فمهما كانت صرامة الرقابة في أي مجتمع لن تستطيع أن تمنع وصول الكتب التي ترغب في حجبها إلى قراء مجتمعها، إلاّ إذا حبست الشعوب التي تتولى الوصاية الفكرية والدينية والأخلاقية عليها في زنازين، وأغلقت عليهم الأبواب بالأقفال الثقيلة، وحتى في هذه الحالة لن تستطيع منع معلومة أو فكرة أو مؤلف من الوصول للناس، إن لم يكن عن طريق الكتاب المطبوع، فعبر شبكة الإنترنت، وإن لم يكن عبر الإيميل فمن خلال شاشات الفضائيات، وهذه القصة تدركها جهات الوصاية العربية على الفكر بمختلف أنواعها، ولكنها مع ذلك ما تزال تصر على أسلوب محاكم التفتيش، في محاولة لمعاندة حركة التاريخ، ووضع ما أمكن من العصي في عجلاته لهدفين اثنين، الأول هو منع هذا الديوان أو تلك الرواية من الوصول إلى القارئ، والثاني وهو الأهم تقديم أمثولة للكتاب الآخرين عما يمكن أن يحدث لهم أو لمؤلفاتهم في حال تجاوزوا الخطوط الحمراء والمحرمات المختلفة التي تفرضها هذه الجهات الوصائية المتعددة.





وإذا نظرنا إلى تاريخ الكتاب العربي الحديث، نجد أن هناك معارك عديدة وكثيرة خاضتها السلطات السياسية أو الدينية ضد كتب ومؤلفات، بدءا بمعركة \"في الشعر الجاهلي\" لطه حسين وحتى اليوم، لكن أيا من هذه المعارك سواء التي خيضت باسم السياسة أو الدين أو الأخلاق لم تربح الحرب على الكلمة، ولكن وفي نفس الوقت فإن كثيرا من هذه الكتب التي ثار حولها جدل ما، لم تعد تذكر بحق أو بباطل اليوم، ولذلك فمن الأجدى للرقابات العربية وبحسب منطقها الرقابي أن تتوقف عن المنع، فأكثر الكتب التي تصدر في العالم العربي -باستثناء الدينية والجنسية وربما التقنية- لا تتجاوز أرقام مبيعاتها في أفضل الأحوال ثلاثة آلاف نسخة على امتداد الأرض العربية، بوجود شعب لا يقرأ إلاّ إذا اشتم رائحة فضيحة حول كتاب ما!.





وفي مصر يتصدر كل من مجمع البحوث الإسلامية ومؤسسة الأزهر غالبية حوادث المصاردة التى شهدها سوق الكتاب فى مصر فى السنوات الماضية، ويشهر رجال مجمع البحوث الإسلامية فى وجوه الكتاب والمبدعين نص المادة ‏40‏ بالقانون‏103‏ لعام‏1961‏ والتى حددت مهام إدارة البحوث والنشر التي تتولي مراجعة وفحص الكتب التي تتعرض للإسلام وإبداء الرأي فيما يتعلق بنشرها أو تداولها أو عرضها بالإضافة إلي أنها تتابع كل ما يكتب عن الإسلام في الداخل أو الخارج.





وبالطبع فان رجال الدين فى المؤسسات الدينية الرسمية، يشهرون فى وجوه الكتاب والمبدعين عبارات مثل مواجهة الأفكار الضالة التي تهدد فكر وكيان المجتمع‏، والحفاظ على الأخلاقيات والأعراف العامة‏ ، وحماية الدين من المغرضين والمتربصين للاسلام. ‏ومن هذا المنطلق ، صادر مجمع البحوث الإسلامية عددا كبيرا من الكتب، بل وصلت المصادرات الى كتب قبطية ايضا، حيث صدر قرار من المجمع بمصادرة كتاب ألفه الدكتور نجيب جبرائيل مستشار البابا شنودة بطريرك الأقباط الأرثوذكس في مصر، وكان مجمع البحوث الإسلامية أشار الى ان منع الكتاب سببه مزاعم أوردها الكاتب من ان هناك استعلاء من الأغلبية المسلمة على الأقلية المسيحية.





وشهد سوق الكتاب المصرى عدة وقائع كان للدولة فيها – متمثلة فى وزارة الثقافة – دور رئيسى فى مصادرة الكتب، كما حدث فى أزمة الروايات الثلاث كما لقبها الإعلام، عندما قدم الدكتور جمال حشمت القيادى فى جماعة الإخوان المسلمين والعضو البرلمانى انذاك استجوابا عاجلا أمام مجلس الشعب لمصادرة ثلاث روايات صادرة عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، ووصفهم حشمت بأنهم يضمون عبارات خادشة للحياء وألفاظا بذيئة، وبالفعل أثار الإخوان الدنيا بسبب الروايات الثلاث ، فاضطر فاروق حسنى وزير الثقافة الى مصادرة الروايات الثلاث ونقل على أبوشادى رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة آنذاك الى منصب أخر فى الوزارة.





ومؤخرا اقتحمت الأجهزة الأمنية المصرية دار ملامح للنشر ومصادرة رواية \"مترو\" للكاتب والرسام د. مجدي الشافعي دون إذن من النيابة المختصة بذلك، بل ونزلت قوة إلى شوارع القاهرة وتمت مصادرة كل نسخ الرواية من باعة الصحف بحجة أنها تضم ألفاظا غير لائقة وعبارات تخدش الحياء.





وفي 2007 منعت وزارة الإعلام البحرينية رواية سعودية للكاتب مظاهر اللاجامي وأرجعت الوزارة المنع -حسب قول الكاتب - لاحتواء الرواية على \"ألفاظ جنسية فاضحة\".





وذكر اللاجامي مؤلف رواية \"بين علامتي تنصيص\" أنه فوجئ بإيقاف الوزارة لـ 100 نسخة خاصة بالمؤلف، وبعد إجراء عدة اتصالات في المنامة ابلغوه أن الإيقاف تم بسبب الجانب الجنسي الذي اشتملت عليه الرواية.





كما امتنعت الوزارة أيضا عن طبع كتاب \"استعمالات الذاكرة: في مجتمع تعددي مبتلى بالتاريخ\" للناقد نادر كاظم ، ومن بين الكتب التي لم تجز الرقابة طباعتها كتاب الصحافي محمد السواد \"أخطر وأطرف قضايا محاكم البحرين 2006\" وكتاب القاص عبد الله علي خليفـة \"عمر بن الخطاب شهيداً\"، كما أن هناك بعض الكتب الممنوع توزيعها ومنها كتب من تأليف عبد النبي العكري أو ترجمته، وكتاب للبرلماني السابق عبد الهادي خلف.





وفي السعودية رفضت وزارة الثقافة والإعلام منح ترخيص رقابى لنشر رواية \"لا يوجد مصور فى عنيزة\" للكاتب خالد البسام يجيز تداولها فى المكتبات رغم عرضها فى معرض الرياض الدولى للكتاب فى مارس الماضي، وهو موقف مشابه لما تعرض له الكاتب المصري إيهاب عمر، بعد أن صادرت السلطات السعودية كتابه \"الخليج البريطاني\" رغم عرضه فى جناح دار الكتب للنشر في معرض الرياض أيضاً!!.

التعليقات
 
 
Designed by NOURAS
Managed by Wesima