المثقفون الشيعة.. التصحيح طريق الوحدة (1)
مهنا الحبيل

البيان الذي نشرته صحيفة آفاق الالكترونية في العشرين من نوفمبر المنصرم والذي وقعه أحد عشر مثقفاً من أبناء الطائفة الشيعية في الخليج وبمشاركة من المفكر والكاتب العراقي داعية المراجعات التصحيحية احمد الكاتب، يعتبر انكسارا تاريخيا في المشهد الفكري الشيعي خصوصا والعربي عموما لما تضمنه من مفاصل حساسة في التاريخ التشريعي الملتبس بين الحدث السياسي والموقف الفكري وبين النص المنقول والنص الملهم للشخصيات الدينية على مدى قرون مضت بحسب اعتقادات المرجعيات الحديثة والقديمة.

حيث أضحت قضية استنساخ العصمة والقول المُحال تفسيرا على أتباع أئمة أهل البيت دون إسناد واضح أو تحديد لمن له الحق بامتهان هذه الصفة مدخلا ضخما لتشكيل فكر مستقل عن أصل التشيع القديم في القرن الأول فأصبح هذا الاستقلال يحمل بصمات هذه المرجعية أو تلك بناءً على نفس الحجة وهي تقديس المرجع، وهو ما طور فكر التطرف وتضخيم حقوق الولاية الفقهية وصولا إلى مرحلة الحق في التشريع المطلق في بعض الحالات أو حذف ما ثبت نصا وعقلا في حالات أخرى بناء على تلك الخصوصية التي يعلنها هذا المرجع أو أتباعه. وهذه القضية هي السؤال الأبرز الذي أثاره المثقفون والذي تُبنى عليه قواعد عديدة في فهم الموروث والنص الديني الشيعي المجلل بحالة قداسة لا تقف عند صريح القرآن وما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كل ما يُنسب إلى المدرسة دون قيد واضح أو معايير ثابتة وهو ما عزّز تحول العواطف الثائرة والتي استنهضت على طول التاريخ إلى أحكام وتعاليم دينية لم تعرض على مراجعة العقل التحقيقي بحسب مبادئ التشريع الإسلامي. في كل الأحوال ما قام به المثقفون من دعوة صريحة لإسقاط هيمنة فكر ولاية الفقيه التي تعتمد على تقديس الشخوص من غير الأنبياء وما يُنقل عنهم ثم تعتمد الحق في احتكار الولاية المطلقة ، هذه المصارحة تعتبر خطوة كبيرة خاصة في مرحلة زمنية حساسة أحكمت فيها الجمهورية الإيرانية من خلال التنظيمات الحركية الموالية لها أو وكلاء المرجعية الموزعون في الوطن العربي وخاصة في العراق ولبنان والخليج قبضتها على تفاصيل الحراك الثقافي وهو ما يبرر هذا الهجوم الشديد الذي تعرضت له تلك الشخصيات الثقافية بعد الإعلان عن بيانها.





القضية الإنسانية في الخمس





أثار البيان إحدى أهم القضايا المسكوت عنها عبر الإرهاب الضمني الذي جُسِد في نفسية الفرد من أبناء الطائفة لو قرر أن يسأل أو يستفسر وهو التساؤل التاريخي أين تذهب أموال الخمس ؟ ولو فقط أخذنا بالاعتبار فترة قيام الثورة الإيرانية وما يتبعها من حصر تلك الأموال في جهات محددة موالية لها وتم ترحيل مئات المليارات إلى الجمهورية الإيرانية من المبالغ التي تجمع من 20 % من أرباح الفرد بحسب المفهوم المطبق قسريا عن طريق المراجع ثم تأملنا في أوضاع المحرومين من الجنسين وما يعانونه خاصة بان الفقراء والمساكين ليسوا من مصارف الخمس، وهذا لا يعني مطلقا إعفاء الدول من مسئولياتها الشاملة لتحقيق تكامل الحقوق الاقتصادية للمواطن بكل أطيافه وانتماءاته، لكن الحقيقة الإنسانية المُرّة أن هذه الأموال كان ولا يزال بالإمكان أن تعمل الكثير للمحتاجين من ابناء الطائفة وخاصةً للشباب والشابات من الجنسين أو لذوي الاحتياجات الخاصة أو المؤسسات المدنية التي تُعنى بثقافة الفرد أو سلامته البيئية وهي قضية وان كانت معلّقة لكنها موجودة في تساؤلها لدى الضمير الشيعي الإنساني.





العلاقة الوحدوية مع التاريخ والوطن والأمة





برغم أنّ المثقفين ثَبَّتوا أساسيات تجمعهم مع أصل المعتقد للطائفة والرابطة الشيعية الاّ أنهم حاولوا الخلاص من أكثرها خلافا وتعقيدا مع التاريخ التشريعي الإسلامي وبالتالي مع الأمة وهي القضية من تكفير صدر الصحابة حيث إنّ سبهم هو جزء من هذا المعتقد الإشكالي العميق الذي توقفت عنده كل محاولات الوحدة، ومع أنّ المثقفين استخدموا ألفاظاً دبلوماسية تعفيهم من أي إقرار بفضل صدر الصحابة من الخلفاء الراشدين، الا أن المقياس الواجب أن يؤخذ بالاعتبار هو أنّ الخلفية العقدية والتاريخية والمجتمعية المحيطة بأولئك النخب هي محل المقياس وليس موقف أهل السُنّة في حسمياته وقطعياته التي تختلف في هذه القضية وفي قضايا أخرى أوردها المثقفون، وان كان هناك مسألة حاضرة في الذهن بشأن ما هو الفكر الذي يمثل الإسلام عقيدة وشريعة هل هو سيرة عمر بن عبد العزيز حين استكملت الدولة القوة فاهتدى تنظيميا وتشريعيا بمنهج النبوة والخلفاء الراشدين أم هو اجتهادات أخرى منحرفة في الأصل يرى أهل السنة أنفسهم في طلائعهم العلمية والمعاصرة عدم تمثيلها للفكر الإسلامي الصحيح. ومع أن النخبة الموقعة فَضّلت أن تكتفي بالرفض الصريح والقاطع للمس بالخلفاء فهي تبقى لهم قضية تحمل نفساً وحدوياً واضحاً وجلياً خاصة أنّها أعقبت ذلك بالدعوى لتطهير الثقافة المعاصرة للحركة الشيعية الموالية لإيران والتي عززت هذا الخطاب الانفصالي المحتقن في الشارع الشيعي العام الذي يواليها بعد أن كان اقل ظهورا وأكدت ضرورة النبذ لهذا المفهوم الخطير من الجيل الأول.





(وللحديث بقية)







التعليقات
 
 
Designed by NOURAS
Managed by Wesima