انطفأ النور ....
عقيلة آل حريز
انكفأ الأطفال على أنفسهم وجراح الحزن تتعمق بأرواحهم .. وبدا البيت كئيبا .. فالضوء خفت .. والروح التي كانت توقد النور فيهم قد غادرتهم في وحشة الليل ...

الحياة تتراجع للداخل ونشيج الأطفال يعتمل في صدرك ... وبعض هنات الحزن تطوف بك .. رحيل يتلوه رحيل .. أي نفس تحتمل هذه الفجائع .. وأي قلب هو قلبك لتملأه الأحزان بثقلها ..؟!

تستوحش الحياة بعدها .. تعودها وتكلمها .. تعاتبها على تركك وحيداً .. تملأ كفيك بالتراب .. تلثمه وتعانق القبر .. لم يكن قبرا واحدا هو الذي جلست بقربه .. تعمدت أن تصنع قبور أخرى معه .. هي أوصتك بذلك

قالت لك برجاء أوثقته في عينيك كوصية :

افعل لأجلي ... فهيهات يطيب القلب عنهم وضلعي مكسور ... وعيني دامية ، إن شئت رضاي فلا تعلمهم بأمري واكتمه عمن لا أرغب بوجوده ...

لم تُسِرَّ هي لك بما في خاطرها عبثاً .. كانت موجوعة والوجع يأكل ضلوعها فيطوف بها إلى غير انتهاء .. ومسمار غائر بصدرها .. طوت قروحها خلف باب أوصدته وأسدلت عليها ستار الحزن ... تنتحب وتشكو لأبيها ما فعلوه معها ..

صبت علي مصائبٌ لو أنها .... صُبت على الأيام صرن لياليا
ماذا على من شم تربة أحمدٍ .... أن لا يشم مدى الزمان غواليا



هي شاءت هذا .. وأنت لن تخذل مشيئتها ... فلتخفي أمرها .. وليكن سرا تستفهم الأجيال عن شأنه ...حين ترغب بفهم الحقائق ؟!

تعلم صدقاً ويقيناً أن المصائب التي شهدتها أكبر مما تحتمله أخرى .. .. فهي الزهراء الطاهرة .. خفيفة القد سليمة الروح .. عفيفة النفس .. رقيقة الفؤاد .. حبيبتك أنت وبضعة محمد ...

وها أنت تجثو بركبتيك عندها وتناجيها بشجن حين رأيت علل الدنيا عليك تتكاثر .. فلم تطقها نفسك وعرجت نحوها لتبثها آهاتك :

لكل اجتماع من خليلين فرقة ،،، و كل الذي دون الفراق قليل
وإن افتقادي فاطما بعد أحمد ،،، دليل على أن لا يدوم خليل



تعود وتعتذر منها .. وأنت تعرف أنك مكبل بأعباء ثقيلة ... هي وصايا أبيها .. الذي أنت نفسه وهو نفسك .. و أمور تعرف أنها كائنة لا محالة ... فقد علقها بعنقك وصية وأمانة حين غدا عنك راحلاً ...

كنت تسير على شوك مبرح برمضاء تصهرها الشمس .. وها أنت تفتقدها وتبكيها .. تناديها لمَ لا تجيبك ؟! ...

يصعب أن تقول كل شيء .. يصعب أن يظلمك العالم كله ويشينك بالتخاذل وأنت أشجع الشجعان .. والحروب تعرفك ، والمعارك تخشاك ، وصليل السيوف يحفظ حركة زندك .. يصعب أن تنقلب الموازين وتتسلق المغالطات أفق تاريخك ... ولا تملك تعديلها ولا ردها بغير التجاهل ... جاء الوقت الذي سيمايز الله لهم يقينهم ويختبر قوة إيمانهم ... وما عليك إلا أن تصبر وتحتسب كما أوصاك أخاك ...

ها أنت تقف مجددا عهدك ووعدك لها .. تبصر المتكالبين على السلطة يتضورون جوعا للوصول لمبتغاهم .. نسوا من أنت وما موقفك وموقف ابن عمك منك ... نسوا تهانيهم لك يوم الغدير ... نسوا أنهم بخوا لك الإمارة .. هي الدنيا بمتناقضاتها تكتنف خطواتك وتسلط ثقلها عليك ... وأنت خير من يعلم أنها ليست متصالحة مع أحد .. وحتما ستنقلب معهم ذات يوم .. فللباطل جولة لكن للحق ألف دولة ...

تمر بك كل هذه الأمور فتمسح دمعة من مآقيك وأنت تستشعر أنّاتها حين نكصوا عهودهم وبادروها بالتواقح .. كان رحيل والدها هو المصيبة التي هدت أركانها .. تذكر هذا جيدا ولازالت ذاكرتك تحتفظ بالتفاصيل حين اقتحموا عليها دارها يريدون إضرام النار على البيت بمن فيه دون مراعاة لشخصها .. واقتادوك معهم ليسكتوا بعض المعارضين ببيعتك ولو كنت راغماً ..

هي ، كانت تعدو خلفك ودموعها تلف خفقان قلبها المفزوع وحزنها على رحيل والدها مازال طريا يحرقها .. وتقافز القبح يرسم أجواء الشر ويؤطرها باتفاقهم المبرم تحت السقيفة ..!!

ما زلت تذكرها إذا وهي تحضر مجلسهم تزلزل جمعهم بكلماتها البليغة وهي ابنة أبيها مسيجة بالحكمة .. تئن من شجن وتهددهم أن اتركوا ابن عمي وإلا شكوتكم لربي وكشفت رأسي له وأنتم تعرفون ما سيجري بكم حين أفعل .. اهتزت أركان المكان .. وأحسوا بالهلاك يدنو منهم ..

كنت أنت وحدك من أوقفها عمّا كادت تهم به، لأنك تعلم أنه لن تقوم لهم قائمة بدعوتها وسيضيع ما صنعه ابن عمك وتنتفي رسالته ...

وهم يعلمون صدقا أنها لو فعلت فسيبلون ببلاء السابقين وستخسف بهم الأرض .. وتحل عليهم اللعنة .. انصاعوا أخيراً على مضض وأذعنوا وتركوك ترافقها تعودان لبيتكما تنكفئان بالحزن مع صغاركما ..

عدت معها .. كنت تطيب خاطرها وأنت ترنو بعينيك خفقان أضلعها الهزيلة واحمرار عينيها ... لا بأس عليكِ الآن .. فقد وعِدتِ باللحاق به قريبا .. وهناك يمكنكِ أن تشتكيهم لأبيك .. يمكنك أن تفعلي وتحدثيه عن سوء أظهروه ونوايا اعتزموها .. ولطم وتهديد ومسمار في الباب عصروك به بين الحائط والجدار ... هذا ما كنت تقوله لها ...



وها هي رحلت أخيرا وتركتك تقتات لوعة الفراق وحدك .. فآه .. من رحيل كهذا .. وآه من ونين كهذا .. و ونّة فأخرى تعتصرها خلف الباب والجدار فتفتك بقلبك ..

رحيلها صعب، هو صعب للغاية .. لم تُطقه .. لذا وقفت تناديها وأنت تشم ترابها ..

آه يا حبيبة .. آه يا رفيقة .. آه يا شفيفة .. آه يا فاطمة .. يا بضعة طاهرة من روح أبيه ...
التعليقات
 
 
Designed by NOURAS
Managed by Wesima