| |
|
حق النّفس كما في رسالة الحقوق
بقلم \ أيمن السيهاتي
رسالة الحقوق لمولانا الإمام عليّ ابن الحسين زين العابدين –صلوات الله وسلامه عليه- دستور حقوقي متكامل يضمن حقوق الفرد والمجتمع وعلاقاته وما يتشعّب عن ومن ذلك. دستور أهمل الكثير ممّن يعتنق الإسلام ديناً له دراسته وفهمه ومعرفته وشرحه والعمل به ونشره. هذا الدستور وهذه الرسالة القيّمة التي فيها من الايضاحات الحقوقية والتأسيسات لكل الجوانب الحقوقيّة ما فيه الكفاية، وقد لاحظت أثناء تجاربي في الحياة مدى الحاجة إلى معرفة حقوق النّفس علينا! لذا ارْتئيت اختيار هذا الحق والتعليق عليه –باختصار- في موضوعي هذا، وبالله نستعين.
قال الإمام علي ابن الحسين السجّاد زين العابدين –عليه السلام-: "وأمّا حقّ نفسك عليك فأنْ تستوفيها في طاعةِ الله فتُؤدّي إلى لسانك حقّه، وإلى سمعك حقّه وإلى بصرك حقّه وإلى يدك حقّها وإلى رجلك حقّها وإلى بطنك حقّه وإلى فرْجك حقّك وتستعين بالله على ذلك" قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}(7){فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}(8)سورة الشمس.
{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (53) سورة يوسف النفس الانسانية ... لها حقوق علينا، وهذه الحقوق لا تعني اشباع رغباتها وأهوائها، بل تأدية حقّها بحيث لا نُلقي بها في التهلكة أو إلى النار –والعياذ بالله-، فالنفس بطبعها تميل إلى الكسل والأهواء والراحة، ولا تريد التعب ...إلخ، فإنْ أعطيتها ذلك كانت النتيجة الوبال والسوء في الدنيا والآخرة، ولذا جاء في وصف النفس بأنها ألذّ الأعداء للانسان، وجاء التأكيد على ضرورة فهم النفس ، وجاء أيضا التحريض على جهاد النفس واعتباره "الجهاد الأكبر" وهذا دليل واضح على مدى أهميّة النفس وخطورتها في آن واحد، وورد عن عليّ -عليه السلام-، قوله: "ميدانكم الأول أنفسكم، فإذا قدرتم عليها كنتم على غيرها أقدر"، ولا يخفى على المؤمنين قوله –عليه السلام: "و إنّما هى نفسى أروضها بالتّقوى لتأتى آمنة يوم الخوف الأكبر ، و تثبت على جوانب المزلق ، و لو شئت لاهتديت الطّريق إلى مصفّى هذا العسل و لباب هذا القمح ، و نسائج هذا القزّ ، و لكن هيهات أن يغلبنى هو اى ، و يقودنى جشعى إلى تخيّر الأطعمة ، و لعلّ بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له فى القرص ، و لا عهد له بالشّبع أو أبيت مبطانا و حولى بطون غرثى ، و أكباد حرّى أو أكون كما قال القائل :
و حسبك داء أن تبيت ببطنة ... و حولك أكباد تحنّ إلى القدّ"
من هنا نستطيع أن نفهم ونستوعب ماذا أراد مولانا السجّاد عليه السلام من حقوق النفس علينا، وماذكره –عليه السلام- بخصوص ذلك. لقد لخّص الإمام السجّاد –عليه السلام- حقوق النفس علينا والتي من خلالها نستطيع أنْ نأخذها إلى الطريق القويم، إلى جزئين: الأول: استيفاء طاعة الله جلّ جلاله، من خلال قوله –عليه السلام-: "أنْ تستوفيها في طاعةِ الله" الثاني: الاستعانة بالله على ذلك وطلب التوفيق منه لأنه الموفّق والهادي. ... بعد هذا نأتي إلى عرض موجز لكلا الجزئين، فنقول:
استيفاء طاعة الله جلّ جلاله: لقد عدّ الإمام السجّاد –عليه السلام- بقوله: "أنْ تستوفيها في طاعةِ الله" تمام الطاعة لله الطريق الرئيسي والوحيد الذي من خلاله نكون قد أدّينا حقوق النفس علينا وذلك من خلال نقلها إلى الطريق القويم وتثبيتها عليه ودوام مراقبتها، فنحن حينما نروّض النفس ونزكّيها وتكون نفساً خيّرة نكون أدّينا حقّها لأن نتيجة ذلك خير الدنيا والآخرة، أمّا إذا أعطينها كلّ ما تُريد فإنّنا في الحقيقة لا نخدمها ولا نُعطيها حقّها لأن نتيجة ذلك شرّ الدنيا والآخر ، فأيّ حق نكون قد أدّيناه لها والنار نهايته!! إنّ حق النفس علينا باختصار هو أن نقوم بعكس ما تريده النفس –عادةً- ولا نُعطيها مُبتغاها وأن نعاقبها –إن اضطررنا إلى ذلك-. ولأنّ هذا الحق الذي يؤدّي إلى خير الدنيا والآخرة لا يكون إلا بطاعة الله تبارك وتعالى فقط وفقط، إذْ هو المقياس والسبيل والطريق، وهذه الطاعة في كلّ شيء في الصغير والكبير، في المهم وغير المهم، في كلّ جوانب الحياة، شاملة للأوامر والنّواهي، محقّقة للتقوى والورع والخُلق الحسن وغيرها، ولهذا نجد أنّ الإمام –عليه السلام- اكتفى فقط بذكر الطاعة، إذ لا حاجة بعدها لشيء آخر لضمان حصول النفس على حقوقها. بعد ذكر الإمام –عليه السلام- للطاعة، ذكر حقوقاً أخرى تتشعّب من حق النفس وتساعدنا على الوفاء بحقوق النّفس علينا، وهذه الحقوق تشمل جوارح الانسان لأنه من خلالها يؤدّي رغبات النفس ويكبحها ومن خلالها يستعين بها على قضاء حقوق النفس، وعلى كلّ ما مِن شأنه خير أو شر نفسه، وهذه الحقوق، كالتالي-وسنكتفي بذكرها وذكر ما ورد بخصوص حقّها علينا ونترك لكم حرية التأمل والتفكر فيها-: 1- حق اللسان، لقوله -عليه السلام-: "فتُؤدّي إلى لسانك حقّه"، وحقّ اللسان علينا هو: " وأما حق اللسان فإكرامه عن الخنى –الفحش من الكلام- وتعويده على الخير وحمله على الأدب وإجمامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لا يؤمن ضررها مع قلة عائدتها. ويعد شاهد العقل والدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." 2- حق السمع، لقوله –عليه السلام-: "وإلى سمعك حقّه"، وقال –عليه السلام- في حق السمع: "وأما حق السمع فتنزيهه عن أن تجعله طريقاً إلى قلبك إلا لفوهة كريمة تحدث في قلبك خيراً أو تُكسب خلقا كريما فإنّه باب الكلام إلى القلب يؤدّي إليه ضروب المعاني على ما فيها من خير أو شر ولا قوة إلا بالله." 3- حق البصر، لقوله –عليه السلام-: "وإلى بصرك حقّه" وحق البصر هو: "وأما حق بصرك فغضّه عمّا لا يحلّ لك وترك ابتذاله إلا لموضع عبرة تستقبل بها بصراً أو تستفيد بها عِلماً، فإنّ البصر باب الاعتبار." 4- حق اليد، لقوله –عليه السلام-: "وإلى يدك حقّها"، وحق اليد هو: "وأما حق يدك فأنْ لا تبسطها إلى ما لا يحلّ لك فتنال بما تبسطها إليه من الله العقوبة في الآجل، ومن النّاس بلسان اللائمة في العاجل ولا تقبضها ممّا افترض الله عليها ولكن تُوقّرها بقبضها عن كثير ممّا يحلّ لها وبسطها إلى كثير مما ليس عليها، فإذا هي قد عقلت وشرفت في العاجل وجب لها حسن الثواب في الآجل." 5- حق الرّجل، لقوله –عليه السلام-: "وإلى رجلك حقّها"، وحق الرّجل عليك، هو: "وأمّا حق رِجْليك فأنْ لا تمشي بهما إلى ما لا يحل لك ولا تجعلهما مطيّتك في الطريق المستخفّة بأهلها فيها فإنّها حاملتك وسالكة بك مسالك الدين والسبق لك ولا قوة إلا بالله" 6- حق البطن، لقوله –عليه السلام-: "وإلى بطنك حقّه"، وحق البطن، هو: "وأمّا حقّ بطنك فأنْ لا تجعله وعاء لقليلٍ مِن الحرام ولا لكثير وأنْ تقتصِد له في الحلال ولا تُخرجه مِن حدّ التقوية إلى حدّ التهوين وذهاب المروّة، وضبطه إذا همّ بالجوع والظمأ فإنّ الشبع المُنتهي بصاحبه إلى التُّخم مكسلة ومثبطة ومقطعة عن كل بِرّ وكرم. وإنّ الري المنتهي بصاحبه إلى السكر مسخفة ومجهلة ومذهبة للمروة." 7- حق الفرْج، لقوله –عليه السلام-: "وإلى فرْجك حقّك"، وحقّ الفرْج علينا، هو: " وأمّا حقّ فرْجك فحِفْظه مِمّا لا يحلّ لك، والاستعانة عليه بغضّ البصر، فإنّه من أعون الأعوان، وكثرة ذكر الموت والتهدّد لنفسك بالله والتخويف لها به. وبالله العصمة والتأييد ولا حول ولا قوة إلا بالله."
ولتسلية النفوس وتزيينها، نذكر بعض الأحاديث والقصص الجميلة: قال أبو عبد اللّه -عليه السلام-: ان رسول اللّه -صلى اللّه عليه وآله وسلم- نزل بأرض قرعاء فقال لأصحابه ائتونا بحطب، فقالوا يا رسول اللّه نحن بأرض قرعاء ما بها من حطب، قال فليأت كل انسان بما قدر عليه، فجاءوا به حتى رموا بين يديه بعضه على بعض، قال رسول اللّه -صلى اللّه عليه وآله وسلم- هكذا تجتمع الذنوب، ثم قال إياكم والمحقرات من الذنوب، فان لكل شيء طالباً وان طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء احصيناه في امام مبين. (1) رُويَ أنّه جاء رجل إلى علي بن الحسين –عليه السلام- يشكو إليه حاله، فقال : مسكين ابن آدم له في كل يوم ثلاث مصائب لا يعتبر بواحدة منهن ولو اعتبر هانت عليه المصائب وأمر الدنيا، فاما المصيبة الاولى: فاليوم الذي ينقص من عمره، قال: وان ناله نقصان في ماله اغتم به والدرهم يخلف عنه والعمر لا يرده شيء، والثانية أنّه يستوفي رزقه فإن كان حلالاً حوسب عليه وان كان حراماً عوقب، قال : والثالثة أعظم من ذلك، قيل وما هي؟، قال: ما من يوم يُمسي إلا وقد دنا من الآخرة مرحلة لا يدري على الجنّة أم على النار، وقال : أكبر ما يكون ابن آدم اليوم الذي يلد من أمّه، قالت الحكماء : ما سبقه الى هذا احد. (2) قال الإمام جعفر بن محمّد الصادق –عليه السلام-: " انظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك في المقدرة فإنّ ذلك أقنع لك بما قسم لك، وأحرى ان تستوجب الزيادة من ربّك، واعلم ان العمل الدائم القليل على اليقين أفضل عند اللّه من العمل الكثير على غير يقين واعلم انه لا ورع أولى من تجنب محارم اللّه والكفّ عن أذى المؤمنين واغتيابهم، ولا عيش أهنأ من حسن الخلق، ولا مال أنفع من القنوع باليسير المُجزي، ولا جهل أضرّ من العُجب." وقال –عليه السلام-: " إذا بلغك عن أخيك شئ يسوؤك فلا تغتمّ به فإنّه إن كان كما يقول كانت عقوبة عُجّلَت وإن كانت على غير ما يقول: كانت حسنة لم تعلمها، قال: وقال موسى -عليه السلام-: يارب أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير، قال –أي الله جلّ جلاله-: ما فعلت ذلك لنفسي ." (3) وقيل لجعفر بن محمد -عليهما السلام-: على ماذا بنيت أمرك؟، فقال: على أربعة اشياء عَلِمت أن عملي لا يعمله غيري فاجتهدت، وعَلِمت أن اللّه عزّ وجلّ مطّلع عليّ فاسْتحييت، وعَلِمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأننت، وعَلِمت أن آخر أمري الموت فاستعددت.(4) الاستعانة بالله تبارك وتعالى: الله تبارك وتعالى هو القادر وهو الهادي وهو الموفّق وهو المٌنجح وكلّ شيء بيده وإذا أراد شيئا قال له كن فيكون، فحتى نستطيع العمل على طاعته جل وعلا والدوام عليها، وحتى نستطيع أنْ نُؤدّي حق النفس والجوارح، فإنّه يتعيّن علينا الاستعانة بالواحد القهّار المُسبّب للأسباب الذي لا إله إلا هو سبحانه وتعالى... إنّ من أهمّ الأسباب التي تؤدّي إلى توفيق الله وإجابته عند الاستعانة به على أمورنا المختلفة ، أنْ نؤدّي حقّه، وحق الله الأكبر كما يقول الإمام السجّاد –عليه السلام-: "أمّا حقّ الله الأكبر فإنّك تعبده لا تُشرك به شيئا، فإذا فعلت ذلك بإخلاص جعل لك على نفسه أنْ يكفيك أمر الدنيا والآخرة ويحفظ لك ما تحبّ منها" فكن مؤدّيا لهذا الحق تنل طلبتك وكلّ خير، وتذكّر بأنّ " أفضل الوصايا وألزمها أن لاتنسى ربّك، وأن تذكره دائما، ولا تعصيه، وتعبده قاعدا وقائما، ولا تغترّ بنعمته، واشكره أبدا، ولا تخرج من تحت أستار عظمته وجلاله فتضلّ، وتقع في ميدان الهلاك، وإن مسّك البلاء والضرّ، وأحرقتك نيران المحن واعلم أن بلاياه محشوة بكراماته الأبدية، ومِحنه مورثة رِضاه وقربه ولو بعد حين، فيالها من مغنم لمن علم ووفق لذلك"(5) والحمد لله ربّ العالمين. الهامش: (1) – (4) كتاب 200 قصة وموقف من حياة محمّد وآله لأيمن السيهاتي
(5) وصيّة للإمام جعفر الصادق –عليه السلام-، المصدر السابق.
أيمن السيهاتي
20-12-2008م
alsaihatiaymen@gmail.com خاص بالنشر في صحيفة سعوديات نت فقط على الرغبين في إعادة النشر الالتزام بالنشر برابط الصحيفة مع ذكر المصدر .
|
|
|
|
|
|