| |
|
عيد الله الأعظم .. عيد الغدير
بقلم \ أيمن السيهاتي
غدير خم ... غدير الولاية ... عيد الغدير أعظم الأعياد ... كم فيه لله من الأيادي مناسبة نجدد من خلالها العهد والبيعة لمولانا وسيّدنا وتاج رؤوسنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –عليه السلام-... هذه المناسبة العظيمة التي نستحق منّا أن نتوقّف عندها مرارا وتكرارا ونتعلّم منها ونستلهم العبر ،والعظات والعقائد الحقّة.في يوم الغدير ... يجدر بنا جميعا ان نتدبّر في مفردات خطبة الرسول محمّد صلى الله عليه وآله والتي ألقاها على الحشود الكبيرة التي اجتمعت في ذلك اليوم.. لقد قال الرسول صلى الله عليه وآله في تلك الخطبة العظيمة كلمات شاملة لكل نواحي الحياة لو تدبّرناها وتمعنّا في طيّاتها ... ولا يمنع هنا أن نتوقّف قليلاً عند بعض مقاطعها .. كي نستلهم منها كل ما فيه صلاحنا في الدنيا والآخرة. لقد بدأ رسول الله محمّد –صلى الله عليه وآله- خطبة الغدير، بقوله: " الحمد لله الذي علا في توحّده، ودنا في تفرّده، وجلّ في سلطانه، وعظم في أركانه، وأحاط بكلّ شيء علماً وهو في مكانه، وقهر جميع الخلق بقدرته وبرهانه، مجيداً لم يزل، محموداً لا يزال، بارئ المسموكات، وداحي المدحوّات، وجبّار الأرضين والسماوات، قدّوسٌ سبّوح، ربّ الملائكة والروح، متفضّل على جميع من برأ متطوّل على جميع من أنشأ، يلحظ كل عين، والعيون لا تراه، كريم، حليم، ذو أناة، قد وسع كلّ شيء رحمته، ومنّ عليهم بنعمته، لا يعجل بانتقامه، ولا يبادر إليهم بما استحقّوا من عذابه، قد فهم السرائر، وعلم الضمائر، ولم تخف عليه المكنونات، ولا اشتبهت عليه الخفيّات، له الإحاطة بكل شيء، والغلبة على كل شيء، والقوة في كل شيء، والقدرة على كل شيء، وليس مثله شيء، وهو منشئ الشيء، حين لا شيء، دائمٌ قائمٌ بالقسط، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، جلّ عن أن تدركه الأبصار، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، لا يلحق أحدٌ وصفه من معاينة، ولا يجد أحدٌ كيف هو من سرّ وعلانية، إلاّ بما دلّ عز وجل، على نفسه، وأشهد أنّه الله الذي ملأ الدهر قدسه، والذي يغشي الأبد نوره، والذي ينفذ أمره بلا مشاورة مشير، ولا معه شريكٌ في تقدير، ولا تفاوت في تدبير، صوّر ما أبدع على غير مثال، وخلق ما خلق بلا معونة من أحد، ولا تكلّف ولا احتيال، أنشأها فكانت، وبرأها فبانت، فهو الله الذي لا إله إلا هو، المتقن الصنعة، الحسن الصنيعة، العدل الذي لا يجور، الأكرم الذي ترجع إليه الأمور، وأشهد أنّه الذي تواضع كل شيء لقدرته، مالك الأملاك، مفلّك الأفلاك، ومسخّر الشمس والقمر، كلٌّ يجري لأجل مسمّى، يكوّر الليل على النّهار، ويكوّر النّهار على الليل، يطلبه حثيثاً، قاصم كل جبّار عنيد، ومهلك كل شيطان مريد، لم يكن معه ضدّ ولا ند، أحدٌ صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، إلهٌ واحد، وربّ ماجد، يشاء ويمضي، ويريد فيقضي، ويعلم ويحصي، ويميت ويحيي، ويفقر ويغني، ويضحك ويبكي، ويمنع ويعطي، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، يولج الليل في النّهار، ويولج النّهار في اللّيل، لا إله إلا هو العزيز الغفّار، مستجيب الدعاء، ومجزل العطاء، محصي الأنفاس، وربّ الجنّة والنّاس، لا يشكل عليه شيء، ولا يضجره صراخ المستصرخين، ولا يبرمه إلحاح الملحّين، العاصم للصالحين، والموفّق للمفلحين، ومولى العالمين، الذي استحق من كل خلق أن يشكره ويحمده، أحمده على السّرّاء والضراء والشدة والرخاء، وأؤمن به وبملائكته، وكتبه ورسله، أسمع أمره وأطيع، وأبادر إلى كل ما يرضاه، وأستسلم لقضائه رغبةً في طاعته، وخوفاً من عقوبته، لأنّه الله الذي لا يؤمن مكره، ولا يخاف جوره، وأقرّ له على نفسي بالعبودية، وأشهد له بالربوبيّة، وأؤديّ ما أوحى إليّ، حذراً من أن لا أفعل، فتحلّ بي منه قارعة لا يدفعها عنّي أحد، وإن عظمت حيلته، لا إله إلا هو، لأنّه قد أعلمني أنّي إن لم أبلّغ ما أنزل إليّ، فما بلّغت رسالته، وقد ضمن لي تبارك وتعالى، العصمة، وهو الله الكافي الكريم" انظر أخي المؤمن وأختي المؤمنة وتأمّل وتدبّر هذه الكلمات وما فيها من المعارف الإلهية والعقائد الحقّة التي قالها هذا الرسول الكريم –صلى الله عليه وآله- وكيف يصف فيها ربّه ويُعرّفه لنا بأبسط الألفاظ وأسهلها، حتى لا يكون لأحدٍ عذر بعدها، والتفت إلى عظمة الخطاب والشكر لله تبارك وتعالى ... كل هذا ممّا يعلّمنا إيّاه رسولنا –صلى الله عليه وآله-. وقال –صلى الله عليه وآله- أيضا: " معاشر النّاس! ما من علم إلاّ وقد أحصاه الله فيّ، وكلّ علم علّمت فقد أحصيته في إمام المتقين، وما من علمٍ إلا علّمته عليّاً، وهو الإمام المبين. معاشر النّاس! لا تضلّوا عنه، ولا تنفروا منه، ولا تستكبروا من ولايته، فهو الذي يهدي إلى الحق، ويعمل به، ويزهق الباطل، وينهي عنه، ولا تأخذه في الله لومة لائم، ثم إنّه أوّل من آمن بالله ورسوله، وهو الذي فدّى رسوله بنفسه، وهو الذي كان مع رسول الله، ولا أحد يعبد الله مع رسوله من الرجال غيره." رسول الله –صلى الله عليه وآله- بلا أدنى شكّ أو ريب هو أعلم النّاس والخلق على الإطلاق. وهذا العلم علّمه عليّاً عليه السلام. قال تعالى: {...وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} (12) سورة يــس، وورد عن عليّ عليه السلام أن رسول الله –صلى الله عليه وآله علّمه ألف باب يفتح له من كل باب ألف باب وفي نسخة أخرى ألف ألف باب. فالرسول وعليّ وأهل البيت صلوات ربّي عليهم أجمعين هم الحق ومعهم الحق، وهم العلم وعندهم العلم، وهم الخير والصلاح والهداية ، هم باختصار كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها هلك، هم كما جاء في الحديث الشريف الوارد عن الرسول –صلى الله عليه وآله: "من سره أن يحيا حياتي و يموت ميتتي و يدخل جنة عدن قضيب غرسه ربي فليتول عليا و أوصياءه من بعدي فإنهم لا يدخلونكم في باب ضلال و لا يخرجونكم من باب هدى و لا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم و إني سألت ربي أن لا يفرق بينهم و بين الكتاب حتى يردا علي الحوض معي هكذا و ضم بين إصبعيه و عرضه ما بين صنعاء إلى أبلة فيه قدحان فضة و ذهبا عدد النجوم."-بصائر الدرجات- وقال –صلى الله عليه وآله – في خطبة الغدير أيضاً: " معاشر النّاس! تدبروا القرآن، وافهموا آياته، وانظروا إلى محكماته، ولا تتبعوا متشابهه، فوالله لن يبين لكم زواجره، ولا يوضح لكم تفسيره، إلا الذي أنا آخذ بيده، ومصعده إليّ، وشائل بعضده، ومعلمكم: أن من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، وهو عليّ بن أبي طالب، أخي ووصيي، وموالاته من الله عز وجل، اتركها علي." وقال: " معاشر النّاس! إن عليّاً والطيبين من ولدي، هم الثّقل الأصغر، والقرآن الأكبر، فكل واحد منبئ عن صاحبه، وموافق له، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، هم أمناء الله في خلقه، وحكماؤه في أرضه، ألا وقد أدّيت، ألا وقد بلّغت، ألا وقد أوضحت، ألا وإن الله عز وجل، قال، وأنا قلت عن الله عز وجل، ألا إنّه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا، ولا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره." وقال: معاشر النّاس! قد استشهدت الله، وبلّغكم رسالتي، وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين. معاشر النّاس! اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون. معاشر النّاس! آمنوا بالله ورسوله، والنور الذي أنزل معه، من قبل أن نطمس وجوهاً فنردّها على أدبارها. معاشر النّاس! النّور من الله عز وجل، فيّ مسلوك، ثم في عليّ، ثم في النسل منه، إلى القائم المهدي، الذي يأخذ بحق الله، وبكل حق هو لنا، لأن الله عز وجل، قد جعلنا حجّة على المقصرين، والمعاندين، والمخالفين، والخائنين، والآثمين، والظالمين، من جميع العالمين. معاشر النّاس! أنذرتكم أنّي رسول قد خلت من قبلي الرسل، أفإن متّ أو قتلت انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين. ألا وإن عليّاً هو الموصوف بالصبر والشكر، ثم من بعده ولدي من صلبه. معاشر النّاس! لا تمنّّوا على الله إسلامكم، فيسخط عليكم، ويصيبكم بعذاب من عنده، إنّه لبالمرصاد." ثم واصل الرسول صلى الله عليه وآله بعدها خطبته منتقلاً من باب وجانب عقائدي إلى آخر، حتى جاء على بعض العبادات كالحج والصلاة والزكاة، فقال –صلى الله عليه وآله-: " معاشر النّاس! (إنّ الحجّ والعمرة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما ومن تطّوّع خيراً فإنّ الله شاكرٌ عليمٌ). معاشر النّاس! حجّوا البيت، فما ورده أهل بيت إلا استغنوا، ولا تخلفوا عنه إلا افتقروا. معاشر النّاس! ما وقف بالموقف مؤمن، إلا غفر الله له ما سلف من ذنبه إلى وقته ذلك، فإذا انقضت حجّته استؤنف عمله. معاشر النّاس! الحجّاج معانون، ونفقاتهم مختلفة، والله لا يضيع أجر المحسنين. معاشر النّاس! حجّوا البيت بكمال الدين والتفقّه، ولا تنصرفوا عن المشاهد إلاّ بتوبة وإقلاع. معاشر النّاس! أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، كما أمركم الله عز وجل، لئن طال عليكم الأمد فقصرتم، أو نسيتم، فعليٌّ وليّكم، ومبين لكم، الذي نصبه الله عز وجل، بعدي، ومن خلقه الله مني وأنا منه، يخبركم بما تسألون عنه، ويبين لكم ما لا تعلمون، ألا إن الحلال والحرام أكثر من أن أحصيهما وأعرّفهما، فآمر بالحلال وأنهي عن الحرام في مقام واحد، فأمرت أن آخذ بالبيعة منكم، والصفقة لكم، بقبول ما جئت به عن الله عز وجل، في عليّ أمير المؤمنين، والأئمة من بعده، الذي مني ومنه أمة قائمة، منهم المهدي، إلى يوم القيامة الذي يقضي بالحق." وحيث أنّ لمسألة الحلال والحرام والأوامر والنواهي أهميّة قصوى في حياة الفرد المؤمن، فإنّنا نرى أنه –صلى الله عليه وآله- أعطاها نصيبها في هذه الخطبة العظيمة، إذ قال –صلى الله عليه وآله-: " معاشر النّاس! وكل حلال دللتكم عليه، أو حرام نهيتكم عنه، فإنّي لم أرجع عن ذلك، ولم أبدل. ألا فاذكروا ذلك، واحفظوه، وتواصوا به، ولا تبدّلوه، ولا تغيروه، ألا وإنّي أجدّد القول، ألا فأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، إن تنتهوا إلى قولي، وتبلغوه من لم يحضر، وتأمروه بقبوله، وتنهوه عن مخالفته، فإنّه أمر من الله عز وجل، ومنّي، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر إلا مع إمام معصوم." أما بالنسبة للموت والآخرة ويوم القيامة والتذكير بها، قال –صلى الله عليه وآله-: " معاشر النّاس! التقوى، احذروا الساعة، كما قال الله عز وجل: (إنّ زلزلة السّاعة شيءٌ عظيمٌ). اذكروا الممات، والحسنات، والموازين، والمحاسبة بين يدي ربّ العالمين، والثواب، والعقاب، فمن جاء بالحسنة أثيب عليها، ومن جاء بالسيئة فليس له في الجنان نصيب." وبالنسبة للإمامة التي هي أساس الدين ونظامه القويم، قال ممّال قال-صلى الله عليه وآله-: " معاشر النّاس! القرآن يعرّفكم أن الأئمة من بعده ولده، وعرّفتكم أنّه منّي وأنا منه، حيث يقول الله في كتابه: (وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه)، وقلت: لن تضلّوا ما إن تمسكتم بهما." أما بالنسبة لمولانا وسيّدنا صاحب العصر والزمان وخليفة الرحمن الإمام المهديّ المنتَطَر، فقال –صلى الله عليه وآله- في خطبته الغرّاء: " ألا إن خاتم الأئمة منا، القائم المهدي، ألا إنّه الظاهر على الدين، ألا إنّه المنتقم من الظالمين، ألا إنّه فاتح الحصون وهادمها، ألا إنّه قاتل كل قبيلة من أهل الشرك، ألا إنّه مدرك بكل ثأر لأولياء الله، ألا إنّه الناصر لدين الله، ألا إنّه الغرّاف من بحر عميق، ألا إنّه يسم كل ذي فضل بفضله، وكل ذي جهل بجهله، ألا إنّه خيرة الله ومختارة، ألا إنّه وارث كل علم والمحيط به، ألا إنّه المخبر عن ربّه عز وجل، والمنبه بأمر إيمانه، ألا إنّه الرشيد السديد، ألا إنّه المفوض إليه، ألا قد بشّر به من سلف بين يديه، ألا إنّه الباقي حجّة، ولا حجّة بعده، ولا حقّ إلا معه، ولا نور إلا عنده، ألا إنّه لا غالب له، ولا منصور عليه، ألا إنّه وليّ الله في أرضه، وحكمه في خلقه، وأمينه في سره وعلانيته." هذه مجرّد شذرات من وحي الولاية والغدير أحببت أنْ أبثّها بمناسبة الغدير كي لا يفوتني الأجر والثواب، وكي يذكر اسمنا ممّن ذكر الغدير وأحيا الغدير ونشر شيئاً عن الغدير ودافع عن الغدير وجدد بيعته لإمامه في الغدير... والحمد لله ربّ العالمين.
أيمن السيهاتي
20-12-2008م
alsaihatiaymen@gmail.com خاص بالنشر بصحيفة سعوديات نت على الراغبين في النشر من المواقع الأخرى والمنتديات الالتزام بنشر رابط الصحيفة مع الإشارة إلى المصدر .
|
|
|
|
|
|