| |
|
التطرف الديني وإستراتيجية اليأس من الحياة
بقلم / عصام حاكم
قد لا نأتي بجديد إذا ما اتهمنا أفاق التجربة الإنسانية الأولى على أنها لا تقهر مهما تمادى عنفوان الزمن أو تعالى صولجان المشككين بمدى قدرتها على الصمود أو تجاوز ما خلفته وراءها إلى غير رجعة ما لم تستحضر تلك المسميات الواردة دوافع وأسباب ومسببات ذلك الحضور القائم على تلبية متطلبات الحالة الجديدة. لاسيما إذا صيرنا مفهوم الشروع أو لحظة الانطلاق على أنها ضرورة تنسجم في الكثير من الأحيان مع ستراتيجية تقبل منهجية التلاشي أو الفناء على إنها خطوط حمر لا يمكن تخطيها أو تجاوزها ما لم تأذن تلك الجهة التي كان بمقدورها أصلا الصنع والإبداع ولولاها لما كانت أو تكون. وفي ظل تلك الامتدادات المتضاربة أو غير المتجانسة في استيعاب الحالة الأولى فما بالك بالحالة الثانية، ولكن هناك ثمة هوامش لا يمكن تخطيها إلا إذا حاولنا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح والمرهون بثقافة الانفتاح وتقبل ما هو مغاير بعيدا عن دائرة الأحكام الاستباقية أو الآراء المرتجلة وفق منظار الاتكاء على الحقائق المادية والملموسة شريطة أن لا نتجاهل في ذات الوقت موازين المنطق والعقل بهذا الخصوص. وهذا ما ينعش آمال حالة الخلق على إنها هي الأصدق والأصح والأقرب إذا ما أخذنا في نظر الاعتبار كون الحالة الأولى مرفوضة إن لم نقل غير معلومة أو مجهولة الملامح بالنسبة إليه واعني بذلك الإنسان على اقل تقدير، وذلك كون الحالة السابقة وهي بالتأكيد تحمل مواصفات العدم ولولا ذلك لما جاءت حالة الوجود وهي تكاد أن تشكل ضرورة ملحة تتماشى مع صيرورة خلق الإنسان بوصفه الحلقة الأهم والأبرز في ماهية ذلك التكوين واسما صورة من صوره الاعجازية. وعند ذاك تبدو أراء الذاهبين إلى ترجيح كفة ثقافة الموت أو التحذير من الحياة على أنها ضرب من ضروب الخيال وهي رسالة لا تنعم بأسباب التوفيق والنجاح إن لم نقل تقع على عاتقها مسؤولية الاعتراض أو طائلة المخالفة لمنظومة النصوص والقوانين الإلهية، كما أنها تمنح ذالك النتاج الفكري والثقافي فرصة الانزلاق نحو مخالفة الشعور بالوجود والإذعان إليه والتوجه على الفور إلى رغبة التلاشي أو الفناء وهذا بطبيعة الحال ما لم تدعو إليه منظومة السماء بحكم ما تمليه عليها ثقافة الأرض ذاتها. وإذا ما أتينا على اصل وجذور ذلك الخطاب الفكري الذي اثر على نفسه إلا أن يتخذ من ملامح التشويه والتشويش عنواناً بارزا أو سمة من سمات حضوره على واقعنا العربي والإسلامي المبتلى بالعديد من الإمراض والأعراض الاجتماعية والإنسانية وهو يمتد إلى حدود القرن الثامن عشر للهجرة حيث نشأ وترعرع على يد محمد بن عبد الوهاب في السعودية وهو رائد الحركة التكفيرية أو ما يطلق عليها اليوم بالحركة الوهابية.
وهي ذات مرجعية عقائدية لم يتسن لها أن تحظى بمهمة التناغم مع الوعي الإسلامي الداعي إلى رص الصف والتسلح بمزايا التسامح والتساوي كما ورد على لسان نبينا الكريم محمد عليه الصلاة والسلام في حديثة القائل(مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وهو شعار ربما لا يحتاج إلى مقومات قاهرة للإحاطة به أو بجوانبه البلاغية أو النحوية. وعلى ذكر تلك الثقافة التي استلت ذاتها من قارعة الطرقات الموحشة بفيض التجني على نواميس الذات الإلهية الخالقة لذلك الفضاء المزدهر بألوان الدقة المتناهية والرافضة في حدود علمي لمبدأ الظن والاجتهاد والتمني، ولولا هذا التنظيم لما تفردت لائحة التكوين بسر وجودها واستمرارها وديمومة بقائها لملايين وربما هي تسعى إلى اصطحاب ملايين وملايين أخرى من السنين بمشيئة الذات المكونة.
وهنا قد يتسع بنا المقام إلى درس أخر يضاف إلى سجل الدروس الماضية التي أوردناها ونوردها الآن في ثنايا بحثنا الهادف إلى إجهاض المخطط الداعي لفكرة ثقافة الموت أو الانتحار بكل أشكالها وانتماءاتها غير المتوازنة، وهي لا تتعدى كونها مراساً اعتاد على ترجمة السلوك العربي القديم والمتأثر بلغة القتل والقتال واستباحة الدم تحت راية تلك الفلسفة الهوجاء التي لازمت عنوان التفرد بالرأي بعيدا عن مساحة القراءات والآراء المختلفة.
وهذا ما يجعل من مساحة الحوار والبحث تتضاءل أو تتقلص أو تتلاشى إن صح التعبير أمام هؤلاء المعاندين لاسيما ونحن نستعرض الرأي القائل بان لزاما ما تم تحقيقه على مستوى الفضاء الخارجي كان حري به أن يتمظهر أو يتجلى على ارض الحقيقة الناطقة بهواجس الإحساس المادي وهي ليست معنية بالجوانب غير الحسية واعني بذلك فصيلة الوعي البشري الخاضع لمنظار الإدراك الملموس والبعيد كل البعد عن واقع القضايا المحٍسوسة. وذلك مرتبط بحقيقة لا مفر من الإصغاء إليها أو التعامل معها على أنها تمثل الحقيقة بعينها وهي تتركز في محور مهم لا يمكن إلا التعامل معه بحساسية مفرطة وحذر شديد كونه يتعرض إلى أدق مفاصل إلقاء البينة والحجة عن كون إرادة السماء ليست بحاجة إلى إثبات تلك القدرة الإلهية من جميل الصنع والإبداع ، وهي لا تصبو من وراء ذلك تحقق سعادة أو نشوة لصاحب العزة والجلالة حاشا لله وهو يعلم بذاته، وهذا المثال لا يمكن قبوله على ابسط الكائنات الحية ومنها الإنسان، فليس من المنطق أن يهتم الإنسان بمظهره من اجل أن يرى ذاته عبر المرأة فهو بالتأكيد يسعى إلى تحقيق غاية أخرى تتجلى من خلال حضوره أمام الناس ومداعبة مشاعرهم للاهتمام به أو مشاهدته بالصورة الأجمل والأحلى، وهذا ما يهون علينا مهمة إثبات الخلق والوجود على أنها حلقة متكاملة ما بين الفضاء الخارجي وما على الأرض وربما الحلقة الأهم في ذلك المكون هو الإنسان بعينه حيث تبتغي إرادة السماء أن يرى الإنسان بديع صنعه وتكوينه، إلا انه لا يحسب كونه حالة تمظهر أمام الإنسان بل هو سر من أسرار الوجود وهي حكمة لا مناص من تقبلها على أنها حقيقة واقعة في اصل الوجود. وليس هناك ثمة وقائع تشير إلى عكس ذلك. وما يهمنا في الأصل أن نجد الدوافع والمناخات التي استطاعت أن تنمي وتحتضن وتستوعب تلك الثقافات التي حاولت أن تلوذ ببعض الموارد والنصوص القرآنية والفقهية لتنفذ من خلالها وتبتدع ألوانا أخرى يمكن احتسابها على الوعي الإسلامي كونها تحرص دائما أن تأطر نفسها واعني بذلك تلك الحركات الفكرية المشبوه بالإطار الإسلامي لتحقق غايتين مهمتين الأولى أن تشكل لها حضورا واسعا على مستوى الوعي الإسلامي المتعاطف مع الاضاءات والفضاءات الفكرية من دون الرجوع إلى اصل الفكرة أو المضمون الإسلامي الحق والثانية أن تزرع تلك الجهات نوازع العداء والحقد والكراهية على ذلك الدين الحنيف، وربما هناك شواهد لا تعد لا تحصى في هذا المجال ومنها ما تشهده الساحة العالمية عبر سلوكيات منظمة القاعدة الإرهابية والمتمثلة بشخص ابن لادن والظواهري وشخصيات أخرى همها الأهم أن تحصد اكبر عدد ممكن من أرواح الناس الأبرياء تحت منصة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو تحت وصاية إقامة الدولة الإسلامية أو مقاتلة المحتل وعناوين أخرى، بيد إن المخطط قد اتضحت ملامحه القذرة على ارض العراق حيث قتل التكفيريون أكثر من مليون مسلم في العراق ناهيك عن العمليات التي طالت بلاد عربية أخرى وإسلامية فضلا عن الدول الغربية. وهذا ما يحفز لدينا الشعور بالتربص والحذر إزاء تلك الحركات التي استطاعت أن تجد لها موطئ قدم على ذاكرة الوعي العربي والإسلامي من خلال بث سمومها وشرورها عبر القاعدة الفصل والأكثر حيوية واندفاع ألا وهم الشباب، حيث تم تطويع وتجنيد آلاف الشباب المغرر بهم ومن مختلف بقاع الأرض، كما أنها حرصت وتحرص واعني تلك الحركة التكفيرية منذ تأسيسها أن تجهد نفسها على اختلاق العديد من الأساليب الجديدة للاستقطاب ومنها اصطياد المأجورين والقتلة كما أنها وظفت الديانة الإسلامية إلى مشروع قتل وذبح واختطاف، وذلك من خلال إشاعة المفاهيم المغلوطة وروح التعصب الديني الأهوج كما أنها تستحضر التطور الحاصل في مجال الاتصال عبر شبكة الانترنت ناهيك عن استغلال الجمعيات الخيرية وبعض الشركات الوهمية لتضمن حينها سببا من أسباب الدعم بالإضافة إلى توظيف بعض القنوات الإعلامية ومنها الجزيرة على سبيل المثال وليس الحصر لتنقل نقلا حيا نشاطات وعمليات تلك المجاميع التكفيرية ومنها خطب وتصريحات قادة تلك الحركة والعمليات التي يسمونها جهادية وهي لا تتعدى كونها عرضاً لمشاهد مقززة تأبى الحيوانات الضارية أن تفعل فعلها كما في عملية ذبح الأبرياء وهم أحياء من دون أن يغمض لهم جفن في ظل توسلات وبكاء الضحايا وهم يلتمسون رحمتهم ورأفتهم ولكن الجواب الوحيد الذي تلقاه الضحية هو أن تتحول إلى جثة هامدة. وعلى خلفية تلك الممارسات الشيطانية نجد هناك حملة منظمة من قبل أعداء الإسلام وهي تحاول أن تسيء إلى الإسلام والى شخص الرسول الكريم(ص) وهي تستند على تلك السلوكيات المنحرفة وتحسبها على الإسلام، بل ربما هي تروج لفكرة الإسلام الإرهابي، وهذا منطلق من حالة الوعي الجديد للحالة الإسلامية وربطها بالعمليات الانتحارية التي يمارسها أعداء الإسلام والمسلمين في جميع أرجاء المعمورة ولم يستثنوا من فعلهم هذا حتى المسلمين أنفسهم، وليت الأمر ينتهي على هذا المنوال ألا أنهم يتبجحون ليلا ونهارا بان المسلمين ومنهم الشيعة هم كفرة وكذلك المسيحيون واليهود وكل من على وجه الأرض هو بنظرهم كافر ويجب قتله، وليتهم يكتفون بهذا القدر من الإجرام بل تمادوا إلى حد احتساب التطور الصناعي والتكنولوجي هو بمثابة كفر والحاد كونه لم يكن حسب قولهم على عهد رسول الله(ص) وهناك الكثير الكثير من البدع والأحكام الشرعية التي استندوا عليها هؤلاء القتلة على أنها من صميم النهج الإسلامي وهي في حقيقة الأمر لا تمت إلى الإسلام بصلة بأي حال من الأحوال كونها تعصف بأبسط مقومات الوعي الإلهي ومنها إيذاء النفس وذبح الناس الأبرياء من دون ذنب يذكر كما أنهم يجهضون المشروع الإنساني المعتمر بحالة البناء والخلق وليس العكس. وهذا ما يسوقنا إلى الاعتقاد بل الجزم بان الحضارة الإسلامية تمر اليوم بمنعطف خطير لا يمكن السكوت عليه أو التغاضي عنه، بل يجب أن تكون هناك حملة واسعة ومنظمة من اجل تصحيح المسارات المعوجة أو محاولة التعرض إلى تلك الأفكار عبر بناء قاعدة تستند على إنضاج التجربة الإسلامية والعربية وفق معيار التطور وان يكون النمو الحضاري وأعزا مهما للتشبث بثقافة القرآن لكونها جزءا مهما وحيويا في انطلاق ذلك الدأب العلمي ولولا وجود الثقافات السماوية ونظمها المتطورة لما جادت علينا أفاق الفكر الإنساني بهذا المجال، وهي بالتالي دليل آخر دامغ على إسقاط تلك التخرصات والإرهاصات التي تنعم بنظرية قتل الحياة بكل ألوانها وأشكالها.
وهذا ما لم تدع إليها موسوعة الثقافات الإنسانية فما بالك بمنظمة الوعي السماوي وهي لن تدعو إليها أبدا مهما تشبث المتشبثون بأنصاف الحقائق إن لم نقل إنهم لم يجدوها أبدا على مر العصور والأزمنة.
|
|
|
|
|
|