| |
|
الوعي الثقافي بين أزمة التاؤيل وحكمة التنزيل
بقلم / عصام حاكم
لست ممن يستشعر رغبة الرفض أو العناد أو المماطلة إزاء من حرصوا على مؤازرة الرأي القائل بان الحقيقة قاصرة ما لم تفصح من خلفها عن حقائق أخرى، وإلا أمسي حينها كمن يذهب بعيدا عن جادة الصواب أو ربما قد أصبت بداء الخيبة والخسران في امتلاك ناصية الحكمة والموعظة، لاسيما إذا ما تعاطينا مع أنماط وسلوك التجربة الحياتية إذا جاز لنا أن نطلق هذا الوصف على إنها ثقافة بليدة يتملكها هاجس الرتابة والنمطية والترهل إن صح التعبير، بل ربما يصار إلى تصيريها عنوان ثقيل لا ينبغي التفاعل معه بحساسية مفرطة على أسس التشاطر في أذكاء خاصية الحركة وديناميكية الابتعاد عن محور السكون للظفر بمساحة لا يستهان بها على اقل تقدير مع حالة التمرد كعنوان عنيد لا ينبغي الاستهانة به أو التماهي عنه، في ظل ما يصبو إليه من طرائق لها القدرة على تحفيز مبدأ الشك أساس اليقين وهذا بطبيعة الحال يرمي إلى رسم إستراتيجية تناط إليها مهمة هي ابعد ما تكون عن الظفر بحالة الجمود والتقاعس نحو إلية البحث والتقصي كعنوان ثابت قوامة رفض مبدأ القبول والإذعان على مر العصور والأزمنة. وعلى أنماط ذلك الوعي المتشبث بالحدود الدنيا لملامح البصيرة والتبصير في فهم العلة على طبيعتها من دون أن تمنح الطامحين لشهوة التنصل عن الدارج والمألوف، فرصة الانعتاق عن ذلك الطوق الذي طالما أملينا عليه بمحض إرادتنا عنوان التعدي والتسلط على رقابنا تحت وطأة التماهي عن إدراك هذه أو تلك من الحقائق أو القبول بمبدأ الحقيقة المطلقة على إنها من المسلمات، وهذا بالتأكيد ما لم تشر إليه منظومة الوعي الإنساني منذ نشأتها ولم تستشرف ملامح الوعي السماوي أسباب التوفيق والنجاح على تأكيده. وهذا مما يستجلي لدى الباحث شهوة النظر في الكثير من القراءات المجتزئة على أساس حدود الفهم والتقبل، ولسنا هنا في محل من يفضي على نفسه هالة الكمال والوعي في بواطن الأمور إلا إننا في عداد من يقصد الحقيقة لذات الحقيقة، وذلك من اجل أن نستعرض ما لهذا المعنى من مناخات مناسبة قد تفضي في اغلب الأحيان إلى حالة القصور والتقصير حيال من أذعنوا لرغبة الابتعاد عن الإمساك يروح المبادرة وكسر حاجز الخروج عن الصندوق. وهذا مما أرسى دعائم التقهقر والانهيار أمام الداعين إلى نبذ خصائص التحاشي عن استطراق ذلك الكم الهائل من المخلفات الثقافية الراكدة في ضمير وعقل الفرد العربي على امتداد آفاق بعيدة، والتي ما زالت إلى الآن لها اليد الطولي في تشكيل ملامح الوعي العربي مبتدئة بالطبقة المثقفين قبل غيرهم من عامة الناس. وهذا مما ينذر بكارثة ثقافية وإنسانية لا يمكن التكهن بمدى خطورتها على المدى المنظور على اقل تقدير ، إلا أنها بمثابة خارطة طريق جديدة تعيد إلى الأذهان حالة الردة عن مفاهيم وأصول ثقافة السماء التي تعرضت في أوقات سابقة إلى التجريف عبر أنسام ما يسمى بالتأويل، ومن هنا كان لابد على المتتبع أو المثقف العربي أن ينعم بأسباب التغاضي عن الانصهار في بوتقة الساعين إلى استنطاق الدليل في حدود معينة قد لا تتخطى عوالم النص تاركة وراءها معالم التجديد والتجريد من ذلك الفيض اللامتناهية من فلسفة الانزواء في حضن الماضي ، إلا إننا لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نستسلم لأهواء التغاضي عن ما لهذا المعنى من مقومات القبول والتأييد، بيد إننا في ذات الوقت نعد من المقصرين إن لم نراهن على أن التجديد لا يقل شاننا عن الماضي إن لم يكن هو جزاء لا يتجزءا منه ، بل ربما هو الجزء الأهم والأخطر في رسم فلسفة التحول نحو صيرورة التماشي مع مفهوم النص ككيان متحرر عن أنساق الرتابة والنمطية في استلهام الوعي الفكري، لاسيما ونحن ندرك بأن التواصل حالة طبيعية طالما ألفناها في ضرب شتى وهي تعد المعيار الأصدق في بناء ستراتيجية التحول نحو أفكار جديد أو دماء جديد إن صح التعبير، شأنها في ذلك ما لهذه المقومات من أسس علمية رصينة شكلت بحد ذاتها معطى أخر يعد مسوغ حيوي يسترسل في بناء مد جسور التقريب بين الثقافات نحو ديمومته التواصل مع الحياة على أنها أفق جديد. وفي حدود هذا التصور نستيقن بان الحضارة العربية الإسلامية هذه الأيام لا تتعدى هذا المنظار في أفضل حالتها، وهي تعيش أجواء ذلك التضاد المضطرد والانقسام الملحوظ في فهم ماهية التنزيل وحكمة التأويل، لتبدأ عندها اصل المشكلة أو نواة ذلك التناحر الذي تشهده الساحة العالمية ضمن حدود الفصائل الإسلامية، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار ثمة تناحر في داخل الفصيل الواحد أو الطائفة الواحد، والكل لا يتهاون ولا يتردد عن ذكر السبب أو المسبب الحقيقي لذلك التضاد الواضح ، بل ربما يجمع الجميع على قافية واحده ويعزي السبب على التفسير أو التأويل على اعتباره المحرك الأساسي أو اللبنة الأولى لذلك الاقتتال، والذي كان بودنا أن يبقى في حدود ضيقة قد لا تتعدى حالة النقاش والتحاور على أساس ثقافي متحضر على أمل أن لا نتملك روح العداء بل على العكس نتحاور على ارض صلبة قوامها المحبة إلا أن الرياح لا تأتي في اغلب الأحيان بما تشتهي السفن حيث تحول ذلك الاختلاف في التفسير إلى خلاف جوهري، قدر لجذوره أن تمتد إلى ابعد مما يكون لتصل إلى الذروة وتستهدف خليفة الله في الأرض، وكأني بهم يعيدوا إلى الأذهان أمجاد ذلك الماضي التلبد حيث السيف هو الفصل في تحديد من تمتد له الغلبة في الرأي، والأدهى والأعظم من ذلك كله بدل أن يستعينوا الفرقاء أو المتحاورين بالحجة المعاصرة أو البرهان الفصل أبدلوها بأدوات قتل معاصره من قبيل التفخيخ والذبح وسمل العيون وبقر البطون وطرق أخرى ما انزل الله بها من سلطان، وفي غمرة ذلك النقاش الكلاسيكي تغدو السور القرآنية في خبر كان وكأنما هي لن تحث المسلمين أو تنهاهم عن القتل والتعدي وعناوين أخرى طالما رسمتها ثقافات الإسلام من قبيل التسامح والتعامل بالحسنى، وهي تكاد أن تسير بخطى ثابتة نحو الحنين إلى ما قبل الإسلام واعني تلك الصفحة غير المشرفة في تاريخ الإنسانية حيث تستقي من الرماح عنوان كرامتها وشرف انتمائها إلى حاضرة الانتماء غير الإنساني، وليت الحال يبقى على ما عليه لنركن إلى ثقافة الجهل والتخلف عنوان تناحرنا وقتتالنا، على أمل أن نغض الطرف عن معاني أخرى مهمة تسير جنبا إلى جنب مع ما أوردناه سابقا إلا أنها تختلف كونها تمتلك رصيد عالي من الوعي الثقافي من قبيل وسائل الإعلام والكثير من المثقفين الذين اغرقوا صفحات الانترنيت ووسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بالكثير من الأفكار التي لو قدر لها أن تفصح عن ذاتها لما تعدت ما أوجده الشعراء في العصر الجاهلي وهم يمجدون العشيرة والعائلة دون سواها أما اليوم فحال لا يختلف كثيرا عن ذي قبل من حيث مناصرة المذهب الفلاني وذم المذهب الأخر متجاهلين عن قصد أو قصور في الفهم ما لهذه الأفكار من تأثيرات جسديه ونفسيه على الجانب الأخرى. فضلا عن دورها في تشتيت وبعثرة الكيان العربي. وعلى خلفية ما أوردناه سابقا يبدو إلى الأعيان بأن الوعي العربي والإسلامي ذاهب إلى غير رجعة إلى احتساب الثقافة السماوية أو الفكر السماوي المتمثل بالقرآن الكريم ليس إلا كتاب عادي قدر للعديد من الصحاح الإسلامية أو التفاسير الإسلامية أن تختط لذلك الوعي المشبوه إستراتيجية التماهي عن الاحتفاظ بالبعد القرآني وهذا مما يدلله المشهد الإسلامي اليوم حيث لا يحفظ من يدعون الإسلام ذلك الكم الهائل من السور القرآنية التي تلهج بتحريم القتل وعدم المساس بكرامة الإنسان ولم يحفظوا ذلك النص الصريح (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض كأنما قتل الناس جميعا) ولم يرعوا من الحديث القدسي الشريف القائل( من أذى ذمي فقد أذاني) ونصوص أخرى لسنا بصدد عدها، كلها تشير وتحرص عن قصد للدعوة إلى السلام، إلا أن المسلمين الجدد قد جافو تلك الحقيقة الناصعة وكأن الأمر لا يهمهم أو يعنيهم بل اثروا على أنفسهم إلا أن يحيوا سنن الأولين والآخرين من قبيل الشيخ محمد عبد الوهاب والشيخ القرضاوي وأسامة بن لادن وايمن الظواهري وغيرهم الكثير الكثير ممن يلهجون صباح مساء على تأجيج نار الفتنة والاقتتال بين المسلمين متخذين ما جاء به بعض ممن أطلق على نفسه كلمة عالم عنوانا مهما لا يدانيه عنوانا أخر ، وهذا مما يدلل بدون أدنى شك بان العرب والمسلمين اليوم أحوج ما يكون إلى دين جديد أو إلى نبي جديد ينبئهم بان النص أسمى من التأويل وهو عنوان متحرر له القدرة والسعه على استيعاب ملايين ملايين العصور ولا يمكن الاستدلال إليه من خلال رأي فلان أو فلان ممن أناط لنفسهم مهمة ترويج أو تشريع قوانين الغابة والوقوف سدا منيعا أمام ما جاءت به تعاليم السماء وهي تدعو بكل صراحة ووضوح إلى ملامح التعايش السلمي والحث على نبذ العنف والتسلح بمبدأ المساواة والتكافل الاجتماعي.
|
|
|
|
|
|