| |
|
كوسوفو والرهان العربي على واشنطن
نقولا ناصر
يذكر الاعتراف الامريكي خلال ساعات بعد اعلان كوسوفو الاستقلال من جانب واحد باعلان واشنطن اعترافها بدولة الاحتلال الاسرائيلي قبل ستين عاما وينذر هذا الاعتراف بتفجير وضع عالمي مماثل يهدد السلم العالمي بعدم الاستقرار والحروب خصوصا لان واشنطن هذه المرة عملت خارج اطار الامم المتحدة وضربت في الصميم احد المبادئ الاساسية التي قامت الهيئة الاممية عليها وهو احترام السيادة الوطنية للدول الاعضاء, غير ان هذا الاعتراف بالنسبة للعرب وخصوصا الفلسطينيين منهم قد سلط اضواء قوية كاشفة على ازدواجية معايير السياسات الخارجية الامريكية لم تبق لاي رهان عربي وفلسطيني على واشنطن حدا ادنى من المصداقية يسوغ الاستمرار فيه.
وينبغي للعرب والعالم الاسلامي عدم توفير غطاء "اسلامي" لتحدي واشنطن الصارخ لاحترام السيادة الوطنية للدول ولمبدأ اساسي من مبادئ الامم المتحدة وبالتالي للهيئة الاممية نفسها لان أي غطاء كهذا هو سيف ذو حدين يمكن ان تستخدمه الادارة الامريكية لاحقا لتهدد السيادة الوطنية لكل دولة عربية واسلامية تحتمي بسيادتها اقليات عرقية او دينية او طائفية او ثقافية وليس سرا ان واشنطن تسعى الآن جاهدة للحصول على مثل هذه التغطية "الاسلامية" للقنبلة الموقوتة ضد السلم العالمي التي زرعتها في كوسوفو.
اذ خلال ايجاز صحافي له بعد اعلان كوسوفو الاستقلال من جانب واحد تملق وكيل وزارة الخارجية الامريكية وليم بيرنز العرب والمسلمين عندما اشاد بترحيب منظمة المؤتمر الاسلامي بهذه الخطوة التي قال عنها: "نعتقد انها خطوة ايجابية جدا ان هذه الدولة المسلمة, الدولة ذات الاغلبية المسلمة, قد خلقت اليوم", متجاهلا ان ثلاث دول فقط من بين حوالي ستين دولة عضو في منظمة المؤتمر الاسلامي قد انضمت للاعتراف الامريكي ليس بينها دولة عربية واحدة وهي تركيا والسنغال وافغانستان.
ان الاعتراف التركي قد تزامن في مفارقة لافتة للنظر مع بدء حملة عسكرية كبرى عبر الحدود العراقية في مطاردة ساخنة لمقاتلين اكراد لا يطالبون باكثر مما اعترفت به تركيا لالبان كوسوفو مما ينطوي على تناقض بين اعتراف انقرة بحق الاقلية الالبانية في كوسوفو في اعلان الانفصال من جانب واحد عن السيادة الوطنية لصربيا وبين رفض الحق نفسه للاقلية الكردية في تركيا التي تمثل حوالي عشرين في المئة من السكان, ويبدو ان انقرة قد حصلت على ضمانات من حليفها الامريكي في "الناتو" بان لا تكرر واشنطن اعترافها باعلان مماثل كردي - تركي او كردي - عراقي وكلا الاحتمالين اعلنت انقرة انهما خط احمر يسوغ لجوءها الى الحرب لمنعهما, او ان انقرة تامل في ان تسحب واشنطن المبدأ نفسه للاعتراف بجمهورية شمال قبرص المعلنة من جانب واحد.
ويبقى ان تفسر انقرة نفسها حيثيات اعترافها بكوسوفو لان احدا لا يفترض فيها السذاجة بحيث يعتقد انها قد صدقت المسوغات التي اعلنها الناطق بلسان الخارجية الامريكية سين ماكورماك يوم الاربعاء الماضي ليسوغ رفض واشنطن لاي مقارنة بين كوسوفو وبين فلسطين تعليقا على اقتراح فلسطيني باعلان الاستقلال من جانب واحد اسوة بكوسوفو عندما قال ان كوسوفو حالة "فريدة من نوعها" وانها "ليست سابقة لاي حالة اخرى حول العالم".
ان واشنطن في اعترافها بكوسوفو وفي رفضها عقد مقارنة بينها وبين فلسطين على حد سواء قد اثارت من القضايا والتساؤلات المتفجرة قدرا لم يترك لاي عربي وبخاصة اذا كان فلسطينيا أي مهرب من المقارنة بين الوضعين وبين موقفي واشنطن المتناقضين حيال كل منهما. فصربيا واسرائيل دولتان تعترف واشنطن بسيادتهما وكلتاهما عضو في الامم المتحدة لكنها تنتقص من سيادة احداهما, صربيا, باعترافها باعلان اقلية فيها الانفصال من جانب واحد في تحد صارخ لميثاق الامم المتحدة بينما تعترف للثانية, اسرائيل, بالتوسيع الاقليمي لسيادتها الوطنية خارج الحدود التي اعترفت الامم المتحدة لها بها بوساطة الحروب العدوانية والقوة المسلحة على حساب السيادات الوطنية لدول مجاورة اعضاء في المنظمة الاممية وترفض مجرد فكرة الاعتراف بحق شعوب اصيلة لا اقليات خاضعة لاحتلال اسرائيل في اعلان استقلالها من جانب واحد في تحد صارخ ايضا للامم المتحدة وميثاقها.
واذا كان وضع الاراضي الفلسطينية والجولان العربية السورية ومزارع شبعا اللبنانية المحتلة عام 1967 وضعا لا يمكن مقارنته بالتاكيد بالوضع في كوسوفو فان هذا الوضع يمتلك من اسباب الشرعية والقانون الدولي والحق السياسي والانساني ما يسوغ مطالبة واشنطن بان تتصرف حيال اسرائيل تصرفا لا يقل عن الحرب المدمرة التي شنتها على صربيا بغير حق بذرائع لا مسوغ لها في الشرعية والقانون الدوليين, أما وضع الاقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل نفسها فانه بالاضافة الى ذلك يمتلك كل الاسباب التي ساقتها واشنطن للاعتراف باعلان كوسوفو الانفصال من جانب واحد واكثر. لكن استنكاف واشنطن عن ذلك واستمرارها في الكيل بمكيالين عندما يتعلق الامر بالعرب يجد الآن في كوسوفو مثالا صارخا على ازدواجية المعايير الامريكية يقتضي وقفة فاصلة تعيد النظر فى جدوى استمرار الرهان العربي والفلسطيني على أي دور مأمول بوساطة امريكية نزيهة.
التلويح بـ "كوسوفو" فلسطينية
لقد كان الاختلاف العلني بين اعضاء الفريق المفاوض لمنظمة التحرير الفلسطينية حول اقتراح التلويح باعلان الاستقلال الفلسطيني من جانب واحد على طريقة كوسوفو دليل وصول "مبادرة انابوليس" الامريكية لاحياء عملية سلام فلسطينية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي الى الطريق المسدود الذي كان متوقعا لها بعد مضي ثلاثة اشهر على اطلاقها في 27 تشرين الثاني الماضي بقدر ما كان دليل تخبط قيادة المنظمة حول ما ينبغي عمله في حال فشل هذه المبادرة الذي بات شبه مؤكد, بغض النظر عن بصيص امل فيها تحاول الرئاسة الفلسطينية التعلق به لاسباب لا تعرفها سوى الرئاسة نفسها.
وبغض النظر عن صواب او عدم صواب الاقتراح الذي اعلنه امين عام اللجنة التنفيذية للمنظمة ياسر عبد ربه باعلان الاستقلال من جانب واحد اسوة بكوسوفو, كخيار ثان في حال فشل "الخيار الاول" لـ "مفاوضات ناجحة" مع دولة الاحتلال على حد قوله, وبغض النظر عن صواب او عدم صواب المعارضة لاقتراحه من الرئاسة الفلسطينية ودائرة المفاوضات في المنظمة ورئاسة الوفد المفاوض الذي هو عضو فيه, فان مجرد لجوئه الى "الاعلان" عن اقتراحه ولجوء بقية اركان فريقه المفاوض "علنا" الى معارضة اقتراحه باعلانهم الاصرار على مواصلة مفاوضات عقيمة يقول هو ويتفقون معه في انها غير مثمرة ولم تحرز أي تقدم حتى الآن, ثم اعلان الرئيس محمود عباس لاقتراح "العودة الى الاشقاء العرب" ان استمر وضع المفاوضات على حاله الراهن كاقتراح بديل لاقتراحه, انما هو اعتراف صريح بفشلهم جميعا في استراتيجية الرهان على الولايات المتحدة لانتزاع الحد الادنى من الحقوق الوطنية الفلسطينية من دولة الاحتلال حتى وفق "الرؤية" الامريكية المشوشة عمدا والمنحازة لتفسير دولة الاحتلال لما يسمى بـ "حل الدولتين".
انه اعتراف بفشل قنوات التفاوض المعلنة والسرية التي انطلقت من انابوليس في التوصل الى "مفاوضات ناجحة" وتعبير عن يأس خبراء مخضرمين في التفاوض كسبوا من الاعداء الفلسطينيين اكثر مما كسبوا من اصدقاء السلام الاجانب نتيجة تمسكهم بالسلام والتفاوض كخيار استراتيجي حد الادانة العلنية للمقاومة الوطنية بـ "الارهاب" بالرغم من "شرعية" مقاومة الاحتلال التي ينص عليها ميثاق الامم المتحدة, هذا الميثاق الذي يعتبر المرجعية الام للشرعية الدولية التي بح صوتهم وهم يطالبون بتطبيق قراراتها علنا لكنهم في الواقع ينتهجون استراتيجية للتفاوض لا تستند اليها بل تتناقض معها, كما يتضح من استراتيجية انابوليس التي وقعوا في فخها, وربما لهذا السبب بالذات يجدون انفسهم الآن في حالة التخبط التي هم فيها والتي لا تسر صديقا ولا تغيظ عدوا.
كما كان الاختلاف العلني بين اعضاء الفريق المفاوض اعلانا ايضا عن عدم وجود استراتيجية موحدة مدروسة لهذا الفريق وكذلك اعلانا عن عدم وجود حد ادنى من التنسيق بين فريق من المفترض انه يفاوض على تقرير مصير الشعب الفلسطيني واعلانا عن غياب أي تقييم لما وصلت اليه المفاوضات وعن غياب أي آلية لاجراء أي تقييم كهذا.
ومما يزيد الاحساس بالاحباط وخيبة الامل ان فريق المفاوضات هو نفسه فريق القيادة التي تخوض اصطراعا داخليا لتأكيد سلطتها كممثل شرعي ووحيد لشعبها.
ان الاختلاف العلني بين اعضاء الفريق الفلسطيني المفاوض يعكس غلبة الاجتهاد الفردي وتضارب الاجتهادات الذاتية وردود الافعال الآنية على ما يفترض ان يكون جهدا استراتيجيا موضوعيا لعمل مؤسسي مبرمج لقيادة جماعية في لحظة تاريخية قد تقرر مصير القضية الوطنية لفترة طويلة مقبلة, مما يزيد في الصدمة من الحالة التي تسود قيادة منظمة التحرير وهي تظهر نفسها كمجموعة غير متماسكة من القادة الافراد الذين يفتقدون التنسيق البيني ولا يتورعون عن الانزلاق الى التناقض مع بعضهم علنا في وقت عصيب احوج ما يكون فيه الشعب والقضية الى وحدة القيادة, خصوصا في مرحلة تتنازع فيها قيادتان وشرعيتان وحكومتان على الولاء الوطني من دون ان يسمح الانقسام الوطني لاي منهما بان توسع قيادتها وشرعيتها وحكومتها على المستوى "الوطني".
ومما لا شك فيه ان هذا الاختلاف العلني للقلة النافذة في "اللجنة التنفيذية" للمنظمة يسلط الاضواء على الشلل الذي تعانيه هذه اللجنة كمؤسسة قيادية باتت وظيفتها الوحيدة مقتصرة على اجتماع دوري مهمته الموافقة على بيانات معدة سلفا تصدر باسمه, صياغتها تسبب صداعا لاي محرر صحافي, اختلافا يسلط الضوء على اكثرية من شيوخ المناضلين الوطنيين اختارت الصمت في العلن, وبعضهم نسي الراي العام الوطني حتى اسماءهم وهو يتساءل ان كان الصمت هو خيارهم ايضا داخل تلك الاجتماعات الدورية, مما يعطي اولوية قصوى لاحياء وتفعيل المنظمة وليس مؤسساتها القيادية فقط بحيث تكتسب الصفة التمثيلية الوطنية حقا وتحتوي ان لم تمنع مثل هذا الاختلاف والفردية والتناقض وغير ذلك من مظاهر الهرم والشلل والتخبط في هيئة ما زال العدو قبل الصديق يعترف بانها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, والا فانها بالتاكيد ستفقد اكثر مما فقدت حتى الآن من صفتها التمثيلية لدى شعبها نفسه ولن ينفعها في هذه الحالة اعتراف العالم كافة بها.
لقد زاد الاختلاف والتضارب والتناقض بين اعضاء الفريق القيادي من اهتزاز الثقة الشعبية في المنظمة وقيادتها واستراتيجيتها غير ان ما هو اهم من ذلك انه كشف للخصم التفاوضي وحليفه الامريكي مدى نجاحهما في خلق حالة من الارباك والعجز واليأس لدى المتفاوض الفلسطيني تجعله مرتهنا بين العجز عن وقف مفاوضات عقيمة وبين العجز عن ايجاد بدائل لهذه المفاوضات وبالتالي في حالة ضعف تسهل عليهما انتزاع تنازلات استراتيجية او في احسن الحالات تبقي على الوضع الراهن لمنح الاحتلال المزيد من الوقت لخلق حقائق على الارض, خصوصا في القدس, تستبق نتائج أي مفاوضات مجدية على ما اصطلح على وصفه بقضايا الوضع النهائي.
وكانت مسارعة الاحتلال وحليفه الامريكي الى رفض المقارنة بين كوسوفو وبين فلسطين دليلا على تسرع الرئاسة الفلسطينية ورئاسة وفدها المفاوض ودائرة مفاوضاتها في رفض التلويح بكوسوفو فلسطينية لا يقل عن تسرع صاحب الاقتراح في التفرد باعلانه من دون تنسيق مسبق ودراسة مؤسسية, فما الضير في حشر الوسيط الامريكي غير النزيه في موقف الدفاع عن ازدواجية معاييره.
اما التلويح بالاقتراح في حد ذاته ثم رد الرئاسة عليه باقتراح العودة الى الاشقاء العرب كـ"خيار ثان" في حال اليأس تماما من جدوى الاستمرار في عملية انابوليس فانهما اقتراحان يعبران فقط عن ياس اصحاب الاقتراحين ويؤكدان صدقية شبه الاجماع الفلسطيني على عقم هذا النهج التفاوضي المستند فقط الى المراهنة على وسيط امريكي مجرب فلسطينيا بعيدا عن الامم المتحدة وشرعيتها, بالرغم من ان عجز المنظمة الاممية مجرب بدوره منذ ستين عاما, وبعيدا عن المؤسسات والقوى والوحدة الوطنية.
والاقتراحان لا يعدان الشعب الفلسطيني بغير استمرار الوضع الراهن للعقم التفاوضي والانقسام الوطني وحصار قطاع غزة والارتهان السياسي للضفة الغربية ومحاصرة المقاومة بكل اشكالها وتسارع تهويد القدس مما يعكس افلاسا سياسيا حان له ان يتوقف, فعندما يعلن وزير خارجية العربية السعودية الامير سعود الفيصل مباشرة بعد زيارته لواشنطن ان الدول العربية قد تعيد النظر في مبادرة السلام العربية وينضم امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى اليه والى قيادة منظمة التحرير وزوارها الاجانب, وكان وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير آخرهم, في الاعلان بان مفاوضات السلام لا تحرز أي تقدم لا يعود امام المفاوض الفلسطيني سوى خيار واحد هو العودة الى الوحدة الوطنية للبحث الموحد عن مخرج وطني, لانه لا يجوز تعميم "يأس" هذا المفاوض ليعكس حالة عامة من اليأس لم تكن ابدا في أي وقت خيارا لعرب فلسطين طوال نضالهم الوطني.
المصدر العرب اليوم
|
|
|
|
|
|