 |
الطبيعة معين شعري لاينضب .فهي تمنح الشعر طاقة لاتنفد متى ما كانت تضفي عليه طابعها الخلاب وسمتها الملونة الاصيلة ! فضلا عن ان المتخيل المشرقي كما يقول ادوارد سعيد متخيل شعري فمنه تبدأ الفكرة واليه تنتهي ! والمشرق بلد السحر العجائبي والجمال الاستثنائي ! ففي كل بيت مشرقي هناك قصيدة وفي كل قصيدة هناك بيت القصيد ! ! فأين هو بيت القصيد في رائية الشاعر سمير الصميدعي ؟ خلال قراءتي لقصيدة اختطاف حاولت اسباغ رؤيتي التنظيرية عليها لكي اعالج القصيدة الرائية معالجة موضوعية لا شأن لها بمشاعري وفق نظرية رولان بارت ! قصيدة الصميدعي منطقة كاملة وكبيرة قوامها اربعون بيتا حين تعدها ! وحتى تتمحور الأبيات حول جامع يجمعها فقد اختار الشاعر أو موضوع القصيدة ايقاعا فخما كتبت وفقه معظم قصائد الشعر العربي التقليدي منذ الجاهلية الاولى حتى جاهليتنا الحالية ! واعني به البحر البسيط اسما الصعب واقعا الجميل ايقاعا ! اما القافية وتحديدا حرف الروي ( القافية قضية خلافية ! ) فقد انتضمت في الراء المضموم رويا لها ! واذا كان الشاعر الصميدعي متمرسا في الشعر! إذن لماذا اختار الصميدعي حرف الراء ؟ والسؤال يحيلنا على سؤال اكثر خطورة هو لماذا اختار المتنبي الراء رويا لثلاثين قصيدة ومقطوعة استنادا الى ديوانه ؟ ولماذا اختار الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري الراء رويا لعدد من قصائده ومقطعاته بحيث لم يخل اي جزء من اجزاء ديوانه السبعة من قافية الراء ولنتذكر للجواهري :
يامصر تستبق الدهور وتعثر والنيل باق والمسلة تزهر
والحال اياه مع مصطفى جمال الدين !
بغداد ما اشتبكت عليك الأعصر إلا ذوت ووريق عمرك اخضر !
اذن الراء ليست مطية بمعنى حمار ولكنها مطية بمعنى فرس أصيل ! ولقد التفت العالم الكبير ابراهيم انيس الى حرف الراء فوجد فيه طاقات نغمية كبرى فهو حرف متردد ! فإذا كان الحرف المشدد حرفين بعد فك الادغام فإن حرف الراء المتردد حروف دون حاجة لفك الادغام لان الادغام اصلا غير حاصل ! فكل حرف راء يمكنه ان يكون مثلا ررررررر ! وهذه قضية مهمة بالنسبة لعلم القافية !
ب 5 بوأتموني مقاما فوق منزلتي كأنها طوعتْ فيَّ المعايير
ب7 صرنا نسافر أحيانا بعالمنا الشعرُ مركبُنا لا الخيل والعِير
ب8 نطير في الأفق حينا فوق اجنحة من القريض لها وقعٌ وتأثير
ب15 واسيتموني جزيتم خير عاقبةٍ إنّ التعاطفَ للأحزان إكسير
وهنا نلاحظ سطوة البحر البسيط فكاننا نصغي الى موسيقى الروح لا إلى موسيقى القصيدة :
مستفعلن فاعلن مستفعلن فعلن مستفعلن فاعلن مستفعل فعلن
فاذا خرجنا من سلطان الموسيقى المعلنة حيث الشكل ومفرداته فاننا سنرصد موسيقى الحروف او كما اسماها الدكتور محمد النويهي الموسيقى الداخلية
ب26 كنا إذا صاح يوماً آه واحدنا هبت اليه تواسيه الجماهير
وهنا يمكن مثلا ملاحظة تكرار حرف المد آ !! في ( كنا + صاح + آه + واحدنا + تواسيه + الجماهير ) والابيات جلها تصلح لرصد الموسيقى الداخلية سواء بتكرار الحروف او تناظرها او علاقاتها ببعضها !
سنكون بازاء المضمون الذي ازدان بالرموز الشفافة داخل بنية تشبه بنية الحكاية التي تتخذ الاسطورة مرجعية لها فكل شيء مؤد الى تخوم الهوية والغربة و الوطن والحلم ثم تسحبنا هذه التخوم نحو تخوم اخرى مشبعة بأجواء الدمار والحرب والانكسار ومن هاتين الحالتين : الحلم وانكساره ! الوطن وخرابه والهوية وعذاباتها يجيء الامتنان صافيا نابعا من اعماق الروح ! الإمتنان لكوكبة من الصحب اختطفت الشاعر من دنيا المشاغل والعذاب لتنسيه احزانه ! فأي اختطاف هذا واي مختطفين اولئك ؟ ومن منا لايتمناه بعد ان باتت مفردة الإختطاف تنشف الدم في العروق ! الشاعر فرح باختطاف الآخرين له ! سعيد جدا لأن مختطفيه اسّروه ! وهذه المعاني العبقة بالمجازات تستدعي الفلاش باك وذكريات الطفولة والصبا واللهو والسباحة في نهري دجلة والفرات ! هنا يقطع الشاعر نسقية القصيدة ليحن الى تحذير ذويه له من السباحة في الانهار العميقة غير الأمينة!! الحذر من السباحة وبين تحذير العقل له باخذ الحذر من السياسة ! ورغم الاصرار من الاهل بعدم ملامسة الماءوالغوص في اعماقه خشية الغرق والموت ( فوبيا الماء الجاري العميق ) فكذلك الشاعر اليوم غير مصغ لتحذيرات العقل حين يكون الفعل خالصا للوطن ! خالف أهله فسبح صبيا في الفرات وخالف هواجسه حين ارتبط بالوطن وسبح في نهر جارف مخيف ! النهر مغرق والسياسة مغرقة في النهر سورات تعصف بالسابح وفي السياسة مصائب تعصف بالمواطن والوطن ! هل في القصيدة مثلا شكوى لاحبابه من جرح الوطن الذي يتربص به الاوباش والجلاوزة والمعتدون على حقوق الإنسان والمخربون ؟؟؟ !!! ويصوغ الشاعر اهاته على نغمات الطير والرسائل المتعثرة لحفظ الوطن المنكوب باهله وابنائه. و خرجت باستنتاج مؤكد هو ان أول لوحة لترانيم الحب والامتنان رسمها الشاعر بريشة الفنان الذي يكبت احزانه ويظهر الوانه والحانه ! ثمة اشياء هيأت عالما موحيا بامتزاج الارواح كامتزاج الضوء والنور والدفء حين تقف الشمس في كبد السماء ! وتكاد تطغي عليها ! وهنا يتبدد الملمح الخارجي للقصيدة !ولا أبالغ اذا قلت انني استطعت ان استشف العلاقة الروحية الرابطة بين الشاعر وبين اقرانه ! العلاقة الحميمة التي تدل على قداسات الصحبة الصافية وانثيال صور المودة العميقة بين الشاعر وضمائر المخاطبين دون حاجة الى التمهيد التقليدي في زمان صعب شح فيه الصديق . فجميل ان يخاطب الشاعر سجانيه ليقلب لهم الدلالات فيشكرهم لانهم سجنوه ! ويمعن في الامتنان المبالغة فيسمي سجنهم تحريرا ! فبأي مجاز جميل دخلت الرائية الى الغرض المركزي للمعنى ؟ ثمة ما يشبه تكوين الامثال في زمن كف الوعي الجمعي عن صناعة امثال جديدة من مثل :
بعض الاسر تحرير
وقد تقود الى العز المقادير
وفي المحبة تخدير
كما تحط على الفخ العصافير
والأفق خارجه ضيق
كانما طوعت في المعايير
لكن مع الود تبرير
فربما يستزيد الخير تأخير
إن التعاطف للأحزان إكسير
لكن بغير المنى تأتي ...
وما استنفدت فيها المشاوير
للجار في جاره حق
شراكة العيش لالعن وتكفير
وفي الجهالة تخريب وتدمير
على اساس سقوط الذمة اختيروا
ومن تجشع تشريه الدنانير
بصائر لم يفدها اليوم تبصير
في ظلمة الليل خانتك النواطير
وفي مواساتكم دعم وتبصير
إذا صمدنا ستأتينا التباشير !
وحين نقيس الرائية بمقياس بياني ! فاننا سنجد انفسنا والقاريء الكريم امام عدد من الصور الفنية البيانية ! وتشتغل الصورة البيانية على مساحات اللوحة التشكيلية وللمثال ادرج هذه الصور :
البيت رقم 1
أسرتموني وبعض الأسر تحرير وقد تقود الى العز المقادير
المودة = مشبه غائب
الأسر = مشبه به حاضر
الصورة البيانية = استعارة تصريحية
القرينة = أسَّر
القائد = مشبه به غائب
المقادير = مشبه حاضر
الصورة البيانية = استعارة مكنية
القرينة = تقود
البيت 3 فخختم الشعر سحراً فانجذبت له كما تحط على الفخِّ العصافير
هنا تركِّب مخيلة القصيدة الاغلال والسلاسل لتوشمه بالوفاء المؤكد لمحبيه وإخوانه في غربته الموحشة سجنا وكمينا للشاعر في عملية الفر والكر صراعا مع ديمومة الحياة .وتحليناالى صورة مغايرة تماما من السمو والرقي ضمن كينونته وسلسلة ثانية من الافعال فخختم و تحط هذه السلسلة المتوالية كي تحيل المتن الشعري الى مدارات تضم في جنباتها الصور البيانية الصغيرة التي تتحرك في اطارها حاسة البصر وحاسة اللمس وتطوعها القصيدة في صور متعددة بهيئة التجسيم الميكانيكي للحدث وفق بنية سردية تبلور موضوعاته المحتشدة وتنهال المحمولات اللفظية هذه لمطاوعة الشاعر ومداعبة الالفاظ وفق تشكيلة منسابة في صناعة القصيدة واخضاعها لتجربته الحياتية والفنية .
ب 19 على الفرات أقضِّي الصيف مغتبطاً إذ يضحك النخل او تبكي النواعير
الإنسان= مشبه به غائب
النخل والنواعير = مشبه ماثل
القرينة = يضحك ويبكي
الصورة البيانية = استعارة مكنية
ويمكنني النظر الى هذا البيت بعيدا عن لغة البيان فاقول ان في هذا البيت انسنة اي جعل غير العاقل انسانا personifiection وهو ما اصطلح عليه عند بعض النقاد التشخيص او التجسيد وهذا نوع من التصوير ذي الجاذبية الكبيرة .
الشكوى والاسترجاع في الرائية :
الشكوى في الشعر العربي القديم ظاهرة واضحة لكل متتبع فمن شكوى النابغة الذبياني الى شكوى طرفة بن العبد وقد وضعت الدكتورة بتول حمدي البستاني كتابا مهما اسمه ظاهرة الشكوى في شعر هذيل ! وفي العصر الأموي كانت شكوى ابو الاسود الدؤلي والفرزدق الدارمي والكميت الاسدي وآخرين وحين نصل الى العصر العباسي سوف نجد ان شعر ابو الطيب المتنبي العظيم كله في الشكوى ! اما العصر الحديث فالشكوى تكاد ان تكون موضوع المواضيع فمن شكوى السياب الى بلند الحيدري الى رشيد ياسين الى عبد الوهاب البياتي وقد وضع الدكتور سالم الحمداني كتابا مهما بعنوان الشكوى في شعر نازك الملائكة ! والشكوى الحديثة ليست بكاء ولا ندما بل هي نقد للواقع وسفر نحو الحلم والشاعر سمير الصميدعي يشكو ويحلم في وقت واحد:
ب15 واسيتموني جزيتم خير عاقبةٍ إنّ التعاطفَ للأحزان إكسير
ب 16أفيق كل صباح موقظا أملي لكن بغير المنى تاتي الاخابير
ب 17 قومي واهلي اراهم خطبهم جلل قتل ونهب وترويع وتهجير
ب22 اذ ذاك كانت تراعي حرمة ويرى للجار في جاره حق وتقدير
ب23 والناس من شيعة او سنة ألفو شراكة العيش لا لعن وتكفير
ب24 من اليهود الفنا جيرة ومن ابناء المسيح اتى وعي وتنوير
ب25 والصابئون بنو النهرين جذرهم في الارض يمتد ترسيه الزبابير
ب26 كنا اذا صاح يوما آه واحدنا هبت اليه تواسيه الجماهير
27 فجاءنا قاتل الافراح من نفر خير الصفات بهم كذب وتزوير
ب 28 فمجد العرب قوما وهو خائنهم وجرد الدين سيفا وهو خترير
ب29 وسخر الجهل في حرب مشرعة وفي الجهالة تخريب وتدمير
ب30 وصير الحكم حكرا فى جلاوزة على اساس سقوط الذمة اختيروا
ب31 فمن تخوف يخشى فتك مقصلة ومن تشجع تشريه الدنانير
ب32 ومن تمنع لاخوف ولا جشع يموت صلبا بايديه المسامير
ب 33 حتى غدا الوطن المنكوب في درك لم ترو امثاله حتى الاساطير
ب34 سارت اليه جيوش كي تحرره خيار ابنائه قالو !لهم سيروا
ب35 فغار كل حقود هادرا ً دمنا وصاح كل جهول !دونكم غيروا
ب 36 أعانهم ما بنا من جهل اخوتنا بصائر لم يفدها اليوم تبصير
ب 37 آهٍ عليك ولهفي فيك ياوطني في ظلمة الليل خانتك النواطير
ب40 لسوف نعمل في حزم وفي جلد اذا صمدنا ستأتينا التباشير
لم نستشعر الياس من خلال ابيات الشكوى ! ولكن الذي استشعرناه أمل عريض بسعة العراق ب 39 ب40 ! ولقد سلك الشاعر سبيل الحنين لكي يوقظ النزعة العراقية الطاهرة فيذكر الفراتين والنخيل والنواعير وبغداد الأزل ! بل ويوقظ حنيننا لشيم البيت العراقي والتقاليد الجميلة من مراعاة حرمة الجار والوفاء بين الناس ونجدة المستغيث !
كنا اذا صاح يوما آه واحدنا هبت اليه تواسيه الجماهير
ولعل الذروة قد تكاملت في التنصيص على وحدة العراقيين الازلية ب32 شيعة وسنة ب 24 ويهود ومسيحيون ب25 وصابئة وكل صاحب زبور كناية عن المعتقد الديني ايا كان وليس الزبور حصريا !
والناس من شيعة او سنة ألفو شراكة العيش لا لعن وتكفير
من اليهود الفنا جيرة ومن ابناء المسيح اتى وعي وتنوير
والصابئون بنو النهرين جذرهم في الارض يمتد ترسيه الزبابير
هكذا هي الشكوى في رائية الصميدعي فهل اكتملت البانوراما الاسترجاعية ؟ ام هناك زيادة للمستزيد ؟ فكما تنتهي الحكايات الشعبية السعيدة بعبارة حتى اتاهم هادم اللذات ومفرِّق الجماعات فإن الرائية تقول :
فجاءنا قاتل الافراح من نفر خير الصفات بهم كذب وتزوير
فمجد العرب قوما وهو خائنهم وجرد الدين سيفا وهو خترير
وسخر الجهل في حرب مشرعة وفي الجهالة تخريب وتدمير
وصير الحكم حكرا فى جلاوزة على اساس سقوط الذمة اختيروا
وسخر الجهل في حرب مشرعة وفي الجهالة تخريب وتدمير
فمن تخوف يخشى فتك مقصلة ومن تشجع تشريه الدنانير
ومن تمنع لاخوف ولا جشع يموت صلبا بايديه المسامير
حتى غدا الوطن المنكوب في درك لم ترو امثاله حتى الاساطير
سارت اليه جيوش كي تحرره خيار ابنائه قالو لهم سيروا
فغار كل حقود هادراً دمنا وصاح كل جهول !دونكم غيروا
أعانهم ما بنا من جهل اخوتنا بصائر لم يفدها اليوم تبصير
آهٍ عليك ولهفي فيك ياوطني في ظلمة الليل خانتك النواطير
ان تكراري للابيات جاء من باب توكيد المعاني الوطنية والانسانية التي خلصت اليها رائية الشاعر الصميدعي ! فنار حممه صبت على مُختلِق العلة وليس على المعلول كما يتوارد لدى بعض الشعراء فيترك القاتل ويلقي القبض على القتيل ويبريء الفاعل ويدين المفعول ! ولعل من نافلة القول وضع علامة تعجب حيال النقد الجريء من الشاعر سمير الصميدعي دون مواربة مع ان طبيعة هذا الشاعر مع الشعر والحلم ووظيفته مع اولئك واولئك ممن يسمعون القول فيتبعون احسنه وممن يسمعون القول فلايزدادون الا غيا وغدرا ! ان المشكلة التي تعتور محلل النص هي شحة القصائد التي نشرها الشاعر مع ان لديه موقعا بوصفه شاعرا وسياسيا الا ان زاوية الشعر لاتنجد محلل النص .
دجلة احمد السماوي
عضوة المجلس العراقي للثقافة
الولايات المتحدة
اول ايام عيد الفطر المبارك
2007