| |
|
وماذا بعد أيام الحسين عليه السلام؟
فاطمة الشخص
ترى! ماذا بعد عاشوراء وأربعين الإمام الحسين عليه السلام؟ هل سننسى الإمام الحسين عليه السلام ونعود إلى حياتنا الدنيوية المادية البعيدة عن جوهر القضية الكربلائية... حتى عاشوراء العام المقبل؟! عن الإمام أبي جعفر الباقر (ع): قال: نظر النبي (ص) إلى الحسين (ع) وهو مقبل فأجلسه في حجره وقال: «إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً» عندما نتفكر في هذا الحديث الشريف نجد فيه من العمق والبلاغة الشيء الكثير؛ فالحرارة التي خلّفها الإمام الحسين عليه السلام في قلوب المؤمنين هي تلك الحرقة التي تتولد في قلب الإنسان المؤمن مع استهلال شهر المحرم ثم تبقى جذوتها متّقدةً في قلبه متشكلةً في وعيه حيّةً في ضميره ظاهرةً في سلوكه وأخلاقه ومنعكسةً على فكره وثقافته ونظرته للحياة بقية أيام السنة.. وهي تلك الحرارة التي تبدأ بالتفاعل العاطفي مع قضية الإمام الحسين سلام الله عليه لعظيم الرزء وجليل المصاب، ثم ترافقنا في رحلة الحياة لتعمل معنا على صناعة الإنسان السويّ وصياغة الحياة الكريمة له، وقد اختصّ الله بها قلوب المؤمنين فقط دون سواهم ومن خلالها بإمكاننا قياس درجة الإيمان إما بقوته أو بضعفه؛ ومن هذا وذاك يمكننا أن نستوعب بشكلٍ أفضل كيف يكون كل يومٍ عاشوراء وكل أرضٍ كربلاء. فكما نعلم جميعاً أن قضية كربلاء لاتعترف بحدود زمنية ولابأبعاد مكانية ولاتهتم كثيراً بالتاريخ ولابالجغرافيا، لأنها تُسلّط الضوء على قلب الإنسان المؤمن لتنقيه من كل شائبة فتصنع منه القلب السليم النقي الصافي الطاهر كما كانت قلوب الثلّة المؤمنة من صحب الحسين عليه السلام . وليس إحياء ذكراه في كل عام إلا تجديداً للعهد واستعادةً لمزيجٍ من الذكريات الأليمة والرائعة في الوقت نفسه، وتثبيتاً لأنفسنا في طريق الحق والصدق، قال تعالى: "وذكرهم بأيام الله " " إن الذكرى تنفع المؤمنين " ولذلك فإننا لن ننسى عاشوراء وسيبقى الحسين كلمةً تتردد على ثغر الزمن مهما طال أو قصر... لن ننسى تلك النفس الكبيرة التي كانت تسير على الأرض بخطىً ثابته وهيبةٍ ووقار تنحني لنورها كل الآفاق، حيث تركت آثار أقدامه الشريفة في رحلته المباركة بصماتٍ واضحة في كل أرض مرّ عليها وفي كل قلبٍ وعقلٍ عرفه، وخطّ في أنحاء البلاد طريقاً لكل من أراد أن يسلك منهاج الحق والإيمان. فنحن نبكي الحسين مراراً لا لأننا نعشق البكاء والنحيب، ولكننا نعشق الحسين!. نعشقه ببطولته وتضحياته.. بصبره وإيثاره.. بإيمانه العميق وتفانيه في سبيل الحق.. بشوقه العظيم إلى لقاء ربه الذي حيّر كل العقول والأفئدة. نحن نعشق دماءه الزكية التي عطرت أرض كربلاء بشذى الرسالة المحمدية الأصيلة، ونعشق فيه تلك النظرات التي كانت تتطلع إلى السماء بمنتهى الإيمان وكلّ ما يُقرأ فيها " إلهي رضاً بقضائك ، وتسليماً لأمرك ..". ولذلك تحتفظ ذكرى الحسين سلام الله عليه بحيويتها ونضارتها مهما تكررت طالما وُجد الظلم ووُجدت قلوبٌ مؤمنة ترنو إلى الحق والحرية والعدالة. فهل تركت فينا ثورة الحسين عليه السلام ثورةً داخلية في القلب وفي الضمير تتكرر في كل موقف ضدّ الباطل؟ وهل نحن على العهد دوماً باقون؟ لاسيما مع علمنا أن عدد الكتب التي أُرسلت للإمام الحسين عليه السلام أن أقدم وتعهدت له بالنصرة والمبايعة مائة ألف كتاب تقريباً، ثم بعد ذلك لم يثبت مع الحسين عليه السلام سوى اثنان وسبعون رجلاً، وهم النخبة الحقيقية الصابرة والثابتة على الحق في أحلك الظروف وتحت كل الضغوط الحاكمة وأمام مختلف المغريات المادية ؛ أولئك هم رجال الله، وأولئك هم المؤمنون حقاً، وأولئك هم الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بهذا الصدد: لماذا لم يظهر الإمام صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف بعد، مع أن الآلاف أو الملايين من الناس تدعو الله في كل يوم تقريباً أن يعجّل فرجه؟
هذا التساؤل يحتاج من كلٍ منّا أن يراجع حساباته وأن يسأل نفسه بمسئولية وبصدق: هل أنا من النخبة – الاثنان وسبعون – الذين وقفوا مع الإمام في أصعب اللحظات وأكثرها مرارة وبقوا إلى جانبه رغم عظم التضحيات؟
أم أنا كأكثرية أهل الكوفة الذين خدعهم إغراء المال والمنصب أو منعهم الخوف - من القتل أو من السلطة - من الثبات على مبادئهم؟
وهذا مصداق للحديث الشريف: " عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ رَسُولُ الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه) إِنَّ حَدِيثَ آلِ مُحَمَّدٍ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لا يُؤْمِنُ بِهِ إِلا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ لِلايمَانِ..." ومن هنا بإمكاننا أن نستلهم أسمى العبر وأرقى الدروس الإنسانية حين ننظر ونتأمل ونعتبر فنجد أنه ليس بإمكاننا الحكم على أيّ إنسان بالضلال أو بالرشاد من تلقاء أنفسنا، لأنه في المحكّ الفاصل وفي اللحظات الحاسمة يتبيّن الخبيث من الطيب كما حصل مع الحسين عليه السلام، حين تحوّل كثير ممن كان من أصحابه في آخر لحظة إلى خصمٍ له بالإضافة إلى التحوُل العكسي الذي قلََبَ من كان من أهل النار حتماً فأصبح من أهل الجنة، بل ومن خيار أهل الجنة ومن أفضل سكّانها. ختاماً؛ بقلبٍ منكسر، وبروحٍ أبيّة، وبنفسٍ تعشق الحق، نرفع آيات العزاء إلى مقام سيدنا ومولانا صاحب الزمان ونجدد العهد معه ونتضرع إلى الله العلي القدير أن تبقى نصرتنا له مُعدّة دائماً وأبداً للأخذ بثار جده الحسين عليهما أفضل الصلاة والسلام .
متدربة سابقة بمركز السعوديات الإعلامي التابع لصحيفة سعوديات نت الالكترونية
|
|
|
|
|
|